الخريف لا يُجامل



بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 

في الخريف لا تسقط الأوراق لأن الشجرة ضعفت، بل لأنها أدركت أن الاحتفاظ بما انتهى أوانه ليس قوة، وأن بعض الأشياء لا يليق بها إلا الرحيل. هكذا تبدو الحياة حين تنضج: لا تعود تقيس جمالها بكثرة ما حولها، وإنما بقدرتها على التمييز بين ما يستحق أن يبقى وما آن له أن يسقط.

الخريف موسم الحقيقة؛ لا ألوان زائفة فيه ولا محاولات لتجميل الفروع العارية. يخلع الشجر ما أثقله، ويترك للريح مهمة حمل ما انتهت مهمته، ثم يبدأ في الاستعداد لربيع جديد لا يأتي إلا بعد أن تتسع المساحة للحياة. وربما نحن أيضًا نحتاج بين حين وآخر إلى خريف داخلي، نراجع فيه ما نحمله معنا، لا لنهدم حياتنا، وإنما لنخفف عنها ما لم يعد يشبهها.

هناك علاقات انتهى عمرها، وأفكار تجاوزها الزمن، وأماكن لم تعد تمنحنا سوى الضجيج، وعادات تستهلك أعمارنا دون أن تضيف إليها شيئًا. ومع ذلك نتمسك بها خوفًا من الفراغ، وكأن كل ما نتركه خسارة، مع أن بعض المغادرات ليست فقدًا، بل استرداد لمساحة كانت محتلة بما لا ينفع.

المشكلة أننا تربينا أحيانًا على الاحتفاظ بالأشياء لمجرد أنها قديمة، وبالعلاقات لمجرد طول العِشرة، وبالمواقف لمجرد أننا دفعنا فيها كثيرًا من الوقت والمشاعر. لكن العمر لا يُقاس بما احتفظنا به، وإنما بما عرفنا متى نتركه. فليس كل قديم عزيزًا، وليس كل مستمر جديرًا بالاستمرار.

والأجمل أن الخريف لا يطلب من الشجرة أن تشرح سبب سقوط أوراقها. لا يعتذر، ولا يدخل في نقاش مع الريح، ولا يحاول إقناع أحد بأن ما يفعله صحيح. إنه فقط يفعل ما تقتضيه طبيعته، ثم ينتظر موسمه القادم.

وهنا تكمن واحدة من أكثر دروس الحياة هدوءًا: ليس مطلوبًا منك أن تشرح كل قرار اتخذته لحماية سلامك، ولا أن تقنع الجميع بأسباب ابتعادك، ولا أن تجعل كل من غادرك يفهم لماذا لم تعد قادرًا على الاستمرار بالطريقة القديمة.

النضج ليس أن نتمسك بكل شيء، بل أن نمتلك شجاعة الفرز. أن نعرف أن بعض الأبواب تُغلق لأن الطريق خلفها انتهى، وأن بعض الخسارات تفتح نوافذ لم نكن نراها ونحن مشغولون بالحفاظ على ما يتساقط.

حتى المشاعر تحتاج إلى هذا الخريف. هناك غضب ينبغي أن يهدأ، وعتاب ينبغي أن ينتهي، وندم ينبغي أن يتوقف عن إعادة المشهد نفسه، وذكريات جميلة يمكن أن تبقى جميلة دون أن تتحول إلى إقامة دائمة في الماضي. فليست الحكمة أن نمحو ما حدث، وإنما أن نضعه في مكانه الصحيح، فلا يصبح الماضي مديرًا للحاضر.

وفي زمنٍ أصبح فيه الجميع حريصين على الظهور بصورة مكتملة، يأتي الخريف ليقول شيئًا مختلفًا: الجمال ليس في الامتلاء الدائم، بل في معرفة ما الذي يجب أن يسقط حتى يظهر الأصل. فحين تتساقط الأوراق، نرى هيكل الشجرة كما هو؛ وحين تسقط الأقنعة الاجتماعية، تظهر حقيقة الأشخاص والعلاقات والأولويات.

لذلك ربما لا نحتاج إلى حياة مزدحمة بقدر ما نحتاج إلى حياة واضحة. إلى أقل من العلاقات وأكثرها صدقًا، إلى أقل من الكلام وأكثره معنى، إلى أقل من الأشياء وأكثرها قيمة. فالعمر حين يتقدم لا يصبح أكثر اتساعًا، بل أكثر انتقائية؛ وما كان يلفت النظر بالأمس قد لا يستحق دقيقة واحدة اليوم.

الخريف ليس فصل النهاية كما يظن البعض، بل فصل إعادة الترتيب. إنه المسافة الضرورية بين شكلين من الحياة؛ مرحلة تسقط فيها الأشياء القديمة بصمت، لكي تستعد الأرض لشيء لم يولد بعد.

وربما لهذا أحب الخريف؛ لأنه لا يُجامل. لا يترك ورقة على غصنها خوفًا من الفراغ، ولا يؤجل الرحيل لأن أحدًا اعتاد وجودها. يسقط ما انتهى أوانه، ويترك للشجرة فرصة أن تستعيد قوتها، ثم يأتي الربيع في موعده، محملًا بأشياء جديدة لم يكن ممكنًا أن تولد لو بقي القديم متشبثًا بمكانه.

وفي الحياة أيضًا، أحيانًا لا يكون أجمل ما يحدث هو ما يأتي إلينا، بل ما نتعلم أخيرًا أن نتركه يرحل.

أضيفي خاتمة أكثر إدهاشًا

اجعلي المقدمة أكثر جذبًا

قلّلي التكرار بين صور الخريف

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology