المهندسة شهد القاضي
في أطراف قريةٍ نائية، تقف دارٌ قديمةٌ لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها بعد غروب الشمس.. جدرانها الرمادية مائلة، نوافذها مكسورة كأعينٍ محطّمة لا تزال تحدّق بالعابرين، وسقفها الغارق في العتمة يُشبه كفًّا مرفوعةً في وجه الزمن تقول له: "كفى، لقد رأيتُ ما يكفي"
الناس هناك يسمّونها بيت آل الهواش، لكن أحدًا لم يرَ من آل الهواش أحدًا منذ أربعين سنة..
كل من اقترب من الباب العتيق شعر ببرودةٍ تشبه برودة الموت، وسمع همسًا من خلف الجدران، كأنّ البيت نفسه يتنفّس.
---
1. البداية: الخريف الذي حمل اللعنة
في أحد خريفات السنين، جاء الدكتور سامر، أستاذ علم النفس في الجامعة، باحثًا عن مادةٍ لكتابه القادم حول "الهلاوس الجماعية والخرافات الريفية".. كان شابًا عقلانيًّا لا يؤمن بالجنّ ولا الأرواح، يبتسم كلّما تحدّث أحدٌ عن "الأماكن المسكونة".
استأجر سامر بيت آل الهواش رغم تحذيرات الجميع.. قال له شيخ القرية:
"يا بني، البيوت التي تبتلع ضوء النهار لا تسكنها أرواح البشر"
ضحك سامر، وأجاب بثقةٍ مَن لم يختبر الرعب قطّ:
"سأملؤها بالكتب والنور، وسأكتب الحقيقة"
---
2. الليلة الأولى
عند الغروب، دخل البيت حاملاً حقيبته ومصباحه اليدوي.. الهواء في الداخل كان أثقل من الخارج، كأنّ الغبار نفسه يخاف أن يتحرك.. عندما صعد إلى الطابق العلوي، سمع أول صوتٍ لم ينسه ما عاش بعده:
خطوات بطيئة خلفه… ولكن الأرض لم تتحرك.
التفتَ، فلم يرَ سوى جدارٍ عارٍ إلا من مرآةٍ مائلة.. اقترب منها، فرأى نفسه بوضوحٍ مشوّه، كأنّ وجهه يتنفس من وراء الزجاج.
مدّ إصبعه ليمسح الغبار، فشعر بحرارةٍ تسري في يده.. كأنّ أحدًا يضع كفَّه من الداخل، في الجهة الأخرى من المرآة.
تراجع مذعورًا.. ضحك من خوفه وقال: “مجرد توترٍ لا أكثر”
لكنه لم يعلم أن تلك اللمسة، كانت الترحيب الأول من البيت.
---
3. المذكرات المحرّمة
في الليلة الثانية، وجد سامر دفترًا في الدرج السفلي لخزانةٍ متهالكة.. كان الغلاف أسود، وعليه آثار رمادٍ محترق، وكُتب على صفحته الأولى بخطٍّ أنيقٍ ومتكسّر:
"هذه ليست مذكراتي... إنها مذكرات البيت"
بدأ يقرأ...
"في هذه الجدران سكنتُ وحيدًا حتى صار الصمت صديقي.. لكنهم عادوا... عادوا بأصواتٍ تشبههم، لا بوجوههم.. رأيتهم ينامون وأنا مستيقظ.. رأيتهم ينهضون وأنا ما زلت في الفراش"
كل صفحة كانت مليئة بكلماتٍ مبهمة عن عيونٍ في الظل، وأصواتٍ تأتي من داخل المرايا، وأطفالٍ لم يولدوا بعد يلهون تحت السلالم.
في الصفحة الأخيرة كتب:
"من يقرأ هذا الدفتر، يفتح الباب الذي أُغلق منذ زمن... والباب لا يُغلق مرتين"
أغلق سامر الدفتر بارتجاف.. الريح خارج البيت سكنت.. ثم سمع صوتَ طفلٍ يضحك في الطابق السفلي.
---
4. الباب الذي لا يُغلق
نزل بخطواتٍ مترددة، والمصباح في يده يرتجف كقلبه.. كانت الضحكة تبتعد كلما اقترب، كأنها تجرّه إلى عمق البيت.. عند نهاية الممر، كان هناك بابٌ خشبي مغطّى بالأقفال الصدئة.. لم يكن موجودًا في الصباح.
اقترب منه.. من خلف الباب، سمع همساتٍ متداخلة… كأنّ عشرات الحناجر تتكلم في وقتٍ واحد:
"أنت فتحت الدفتر... نحن نراك يا سامر"
صرخ: "من أنتم؟!"
فانطفأ المصباح..
في الظلام، أحسّ بأنفاسٍ على رقبته، ويدًا باردة تمسك كتفه، ثم سقط مغشيًّا عليه.
---
5. الفجر الذي لم يأتِ
استيقظ سامر صباحًا على ضوءٍ شاحب يتسلل من النوافذ.. البيت صامت.. لكن الباب الحديدي اختفى، وكأنّه لم يكن قطّ.. نظر إلى يده، فوجد أثر أصابعٍ محروقة على جلده.. حاول المغادرة… إلا أنّ باب البيت الخارجي كان مغلقًا من الخارج هذه المرة.
صرخ حتى بحّ صوته... لا أحد سمعه.
---
6. يوميات الرعب
في الليالي التالية، بدأ سامر يسمع صوته في أرجاء البيت قبل أن يتكلم.. يرى ظلّه يتحرك بينما هو ساكن.. وفي إحدى الليالي رأى امرأة بثوبٍ أبيضٍ مائلٍ إلى الرمادي تمشي في الممر، شعرها مبلول كأنها خرجت من نهرٍ قديم.. نادت اسمه بصوتٍ خافتٍ من وراء الحائط:
"سامر... سامر... لِمَ فتحت الدفتر؟"
قال: "من أنتِ؟!"
أجابت: "أنا آخر مَن كتب فيه... قبل أن يأكلني البيت"
اختفت، لكن صوتها بقي يتردّد في أذنه كل ليلة حتى بدأ يشكّ أنه يسمعها من داخله لا من حوله.
---
7. الحقيقة
بعد أسبوعٍ من الجنون، اكتشف سامر أن الدفتر لم يكن سوى جزءٍ من طقوسٍ قديمة..
كان البيت مِلكًا لعائلةٍ تمارس طقوس استحضار الأرواح، وأُغلقت أبوابه بعد أن اختفى الجميع في ليلةٍ واحدة.
ولم يبقَ منهم سوى صدى أصواتهم... محبوسة في الجدران.
كتب سامر بخطٍّ مرتجف في الدفتر نفسه:
"البيت لا يسكنه شبحٌ واحد... بل هو الشبح نفسه.. من يقرأ، يصبح جزءًا من الحكاية"
وفي آخر ليلة، وجدوه في الصباح جالسًا على الأرض، يكتب بلا توقف، بينما كانت عيناه مفتوحتين بلا رمش.. لكنّ الدفتر كان خاليًا تمامًا… صفحات بيضاء... لا حبر، لا كلمات.
وعندما حاولوا إخراجه من البيت، لم يجدوا الباب.
---
8. النهاية التي لا تنتهي
بعد سنوات، جاء باحثٌ آخر يبحث عن قصة سامر.. لم يجد سوى بيتٍ مهجورٍ لا يُفتح بابه إلا لمن يعرف اسمه.
وعندما اقترب من المرآة المائلة في الطابق العلوي، رأى وجهه فيها… لكن خلفه، كان هناك رجلٌ يكتب في دفترٍ أسود، وعيناه لا ترمش.
وعندما التفت ليتأكد،
لم يجد أحدًا.. لكن على صفحة المرآة كُتب بخطٍّ من بخارٍ بارد:
"مرحبًا بك في مذكّرات البيت"
يتبع....
