سجى سليمان بني عطا
لم يكن الغياب مجرّد وقتٍ يمر… كان مساحة تتّسع في قلب سَجى كل يوم قليلاً، كأن الزمن يمدّ ظلاله عليها لتنسى كيف كانت تشعر حين كان العالم قريبًا ودافئًا. في ذاكرة سَجى، الغياب لم يكن حدثًا، بل حالة تُعاد صياغتها مع كل صباح، تنام معها وتستيقظ عليها، وتتعلّم كيف تحملها دون أن تنكسر.
لكن حتى الغياب، مهما طال، يرتجف أمام أول قطرة مطر.
في اللحظة التي عاد فيها المطر، شعرت سَجى وكأن شيئًا في داخلها التفت من جديد نحو الحياة. لم يكن الأمر مجرّد صوت الماء ينقر على الأرض، بل كان كأن الروح تُقرع بخفيف الرحمة. كأن السماء قررت أخيرًا أن تغسل تعب الأيام، وأن تُعيد ترتيب الفوضى التي تركها الصمت الطويل.
كانت سَجى تقف عند النافذة، تنظر إلى الشارع الذي طالما بدا بلا ملامح. وحين هطل المطر، بدا كل شيء وكأنه يستعيد نفسه: الشجر، التراب، الهواء، وحتى ملامحها التي اختبأت خلف إرهاق لم ينتبه له أحد.
عادت الذكريات تتسلّل معها… ليس لأن المطر يُذكّر، بل لأنه يُعيد الروح إلى قدرتها على الإحساس. الغياب الذي امتد في داخلها لم يختفِ، لكنه صار أقل حدة، كأن كل قطرة كانت تقول لها: "أنتِ هنا… لم تفقدي نفسك كما ظننتِ."
المطر كان عودة… ليس للسماء فقط، بل لشيء أعمق.
عودة للطفلة التي نسيت كيف تفرح بصوت الماء.
عودة للمرأة التي حاولت أن تبدو قوية طوال الوقت.
عودة لسَجى… كما كانت قبل أن يُثقِل الغياب حقيقتها.
وحين مدت يدها خارج النافذة، لامست القطرات أصابعها ببرودة تشبه بداية شفاء. أدركت حينها أن الذاكرة، مهما امتلأت بالغياب، لا تفقد قدرتها على الامتلاء من جديد. وأن المطر — كما يطرق الأرض — يطرق الروح أيضًا، ويعيد إليها هذا الشعور القديم…
الشعور بأن الحياة ما زالت قادرة على البدء.
