تحليل ورؤية منال العبادي لنص "الماضي يموت غداً" للأديب هارون الصبيحي

 


عندما يكون النص دعوةٌ لاستجواب اليقينيات، وقراءة العالم بلذةِ السمِّ الذي قد يكون سبيلاً للبقاء.



فالنص الذي بين أيدينا ماهو إلا استجواب لكل اليقينيات (الذات، الذاكرة، الوطن، التقدم).

وقراءة العالم بعين نقدية تدرك "سم" الحقائق، لكنها تتناوله "بلذة" الفهم والوعي كوسيلة للبقاء الروحي والفكري.

مع رؤية الماضي ليس كحدث انتهى، بل كقوة حاضرة ومستقبلية تُشكّل الوجود بطرق مرعبة أحياناً

يُشكِّل العنوان "الماضي يموت غداً" مفارقة زمنية تعكس تشظّي الذات والوعي. "الماضي" كيانٌ يُفترض أنه انتهى، لكنه "يموت غداً"، أي أن موته مُؤجَّلٌ ومستمر، بل ومستقبلي، هذه الانزياح الزمني يُشير إلى استحالة فصل الحاضر عن الماضي، وأن الماضي يظلّ حاضراً كشبح يؤثر في المصير، حتى "الموت" هنا ليس نهاية، بل تحولٌ أو انقلاب، مما يفتح النص على أسئلة الوجود والهوية.


ومنها انقسام الذات والهوية حيث

  يتجلى في التناقض بين "أنا الذي ينتظرني هناك" و"أنا الذي لا يستطيع الخروج من هنا" فالذات مُجزأة بين ماضٍ يحاول الفرار، وحاضر عالق، ومستقبل مُلغَّز مجهول و هذا الانقسام يتعمق في المشهد الرمزي  حيث أن "الإنسان يقف بين روبوت شرير وآخر طيب"، وكأن الهوية الإنسانية ضائعة بين نماذج مصطنعة (التكنولوجيا، الأيديولوجيا، الذاكرة المُعاد ترتيبها).

كما أن الصراع بين القديم والجديد واضح 

في  "انقلاب صامت حيث أن الطالب يتفوق على المعلم... الآلة تبرمج الإنسان" فالنص يلتقط تحولات العصر حيث تُقلب التكنولوجيا والسلطة الأدوار، فتفقد الذاكرة والإرادة إنسانيتهما من خلال "رقائق في الدماغ" والتي ترمز إلى سيطرة الخارج على الداخل، وكأن الإنسان لم يعد سوى مُستوعَبٍ لبرامج الآخر.


وأصبح الوطن كفضاء مُتناقض كما ورد في النص  "رصيف وطن" لا يوفر الأمان، بل يُقذف منه الإنسان إلى "الشارع" لتدوسه "السيارات الصديقة" وكأن الوطن هنا ليس ملجأً، بل فخٌّ يُمارس فيه العنف الرمزي والمادي، حتى من قبل "الأصدقاء" فالصديق "وطن" والذي لا يحب قصص إدغار آلان بو (المرعبة) لكنه يحمل "عناكباً وثعابين" بين صفحاته، يرمز للوطن كنصٍّ مخيف، يُقرأ بلذة ألم.

كما أن  الموت هنا  لم يكن الا تحول وجودي فالموت حاضرٌ على مستويات متعددة منها موت الماضي، وموت "الأنا" بسبب سم القراءة ("يموت أنا ويبقى لا أنا")، والموت الجماعي تحت عجلات "السيارات الصديقة" فالموت هنا ليس بيولوجياً فحسب، بل موت الهوية، الذاكرة، والشرط الإنساني.


كما ظهر في النص اللامبالاة والتناقض الاجتماعي ففي القسم الذي يبدأ بـ"الحياة جميلة..."، يُكشف عن خطاب زائف يُبرر اللامساواة ("اشكروا الله لأنكم هنا لا هناك").

ثم ختم الكاتب نصه بالسؤال الأخير "لماذا نحن هنا وهم هناك؟" يُظهر أن هذه "النعمة" المزعومة تُخفي نظاماً طبقيّاً قائماً على الصدفة أو القهر.

وختم النص بنفي الجميع عنه ثم نفي ذاته عنه وكأنه يعكس مدى الاغتراب الذي يشعر به. 


ومن الرموز التي لابد من تاملها الظل فالظل كيانٌ ينتمي للماضي، "لا يمشي خلف اثنين"، رمز للذاكرة أو الهوية التي ترفض التعدد، تنتظر "من يموت" كي تلتصق به. الظل يشي بالتبعية والاختزال.

أما العملاق فهي قوة قمعية مجهولة (السلطة، النظام، الآلة) تُلقي بالإنسان إلى هوامش الحياة.

ورمزية الروبوت سواء شرير أو روبوت طيب فهي  ثنائية ترمز إلى انقسام العالم بين قوى متصارعة، والإنسان ضحية لها، لا يعرف أيها يعبّر عنه.

ورمزية ذكر إدغار آلان بو فهو رمز للأدب المظلم الذي يكشف رعب الواقع. 

القراءة "بلذة" مع "لدغات" تعكس استعذاب الألم، أو وعي المرء بسمية الحقائق.

وذكر اللوحة الفنية في الخاتمة ماهي إلا إحالة إلى تجريدية دي كوننغ التي تفكك الصورة البشرية، كما يفكك النص الذات الإنسانية.


ظهر في النص مقدار القوة الشعرية فاللغة مكثفة، تعتمد على الانزياح والانزياح الزمني، مما يخلق كثافةً وجودية وكانت الصور متعددة الطبقات (الظل، الروبوت، الثعابين) والتي منحت النص غموضاً إيجابياً يحفز التأويل.

قد يبدو التشظي المتعمد في البنية صعب المتابعة لبعض القراء، لكنه جزء من فلسفة النص، وتميز النص بالوحدة العضوية فالنص يبدو كأجزاء متفرقة، لكنها تربطها خيوط الهشاشة الإنسانية في مواجهة قوى التسلط والتفكك، ربما يحتوي على بعض الحشو في قسم "الحياة جميلة..."، لكنه مقصود لفضح التناقض.


كانت الرسالة من النص أنه يسائل الهوية في عالم تُعيد فيه التكنولوجيا والسلطة تشكيل الذاكرة، ويُعرّي خطاب التفوق الزائف، ويُظهر الوطن كفضاءٍ للموت لا للحماية.


نص "الماضي يموت غداً" نصٌ ينتمي لما بعد الحداثة، يرفع شعار التفكيك، تفكيك الزمن، الذات، الوطن، والإنسانية نفسها. العنوان يُلخص المأساة فالماضي لا يموت، بل يتحول إلى شبحٍ يطارد المستقبل، والإنسان فيه ضائع بين ظلاله وأشباح التقدم،"الماضي يموت غدا" ليس مجرد نص أدبي، وإنما هو بيان وجودي عن إنسان العصر الذي تهاجمه ذاكرته، وتستلب هويته التكنولوجيا، ويخونه وطنه، ويجد نفسه غريباً حتى عن ذاته، وهو يقدم هذه الرؤية المأساوية بلغة شاعرية تجعل من الألم والمعرفة سبيلين متلازمين للبقاء.

النص :

الماضي يموت غداً

أنا الذي ينتظرني هناك...

وأنا الذي لا يستطيع الخروج من هنا...

وفي منتصف الطريق ظلٌ ينتظر من يموت

فالظل لايمشي خلف اثنين.

قلنا شيئاً من الحقيقة

وجلسنا على رصيف وطن

أقبل العملاق، حدّق بنا شزراً، ثم واحدًا تلو الآخر

راح يقذفنا إلى الشارع

لتدهسنا السياراتُ الصديقة...

مات الماضي غداً

انقلابٌ صامت:

الطالب يتفوق على المعلّم.

الآلة تبرمج الإنسان

رقائق في الدماغ، وشرائح تعيد ترتيب الذاكرة

كلّ شيء يتغير...

رأيت في الحارة ظلالاً تتصارع:

روبوتٌ شرير، وآخر طيّب

وإنسانٌ يقف بينهما

لا يعرف…

من منهما يشبهه أكثر.

صديقي وطن

لا يحب قصص إدغار آلان بو

عناكب صغيرة بين صفحاتها

وأحياناً ثعابين

أنا أقرأ مستمتعاً بلدغاتها

يسري السم في جسدي

ويموت أنا

ويبقى لا أنا!

الحياة جميلة، ممتعة

نحن لسنا من الذين يموتون

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology