رمزية الأب في قصة " الفقدان " للأديبة العراقية " صبيحة شبر "

 


بقلم : رولا علي سلوم 


رمزية الأب؛ السند والعزة في قصة ( الفقدان) للكاتبة العراقية ( صبيحة شبر) 

الرجل هو النصف الآخر بالنسبة للمرأة، به تكتمل وتزهو وتتألق.. هذه المقولة تجسّد معظم كتابات الأديبة العراقية " صبيحة شبر"، إذ تعبّر عن أهمية الرجل في حياتها، وهي لاشيء في ظلّ غيابه.. والرجل قد يكون زوجاً حبيباً أو أباً أو أخاً أو ابناً..

وهنا في قصتها القصيرة ( الفقدان) تتطرّق الكاتبة إلى الأبوّة؛ الرجل الأب في حياتها، الأب السّند والعزّة والكرامة والقوة، فما هو حالها وهي تفتقد والدها ؟؟ إنها عاجزة " أشعر بالعجز"؛ لأنّ والدها كان يناقشها، أي يؤمن بحرية الرأي لدى ابنته، فهو ليس متعصّباً لآرائه، وعندما يضيق الأفق وتتكاثر الصعاب أمام عيني الكاتبة يأتي الأب ليكون عيني الكاتبة، يدعمها بابتسامته الواثقة، ويعزّز ما تشكّل في ذهنها من آراء، إنّه الوحيد القادر على إقناعها، فطريقته في الإقناع هي وحدها التي تؤثر في ابنته الساردة أو الكاتبة، الإيمان بالله، والاعتماد على الذات هما نصيحتا الأب لابنته لتتجاوز عراقيل الحياة الشائكة. وتأتي كلمات الأب لابنته من مثل: " لاتخافي"، ما أروع هذه الكلمة!!  إنها كفيلة أن تملأ الثقة في أوصال ابنته، فتصبح قويةً بعيدةً عن الخوف والضعف. وما أروع ذاك الأب الرؤوف عندما وصفت الكاتبة عدله بين أشقائها الذكور، فلم يفرّق بين الشاب والفتاة، درجة الحبّ هي ذاتها واحدة، ودرجة الدفء والحنان هي سواء بين الذكور والإناث، وما أروع قيمة الأبّوة التي أوصلها الأب إلى فكر ابنته قبل رحيله عن الحياة!!! فالأب معاملة حانية، ألم يقل الرسول الكريم: " رفقاً بالقوارير" ؟؟!! ، وهو حنانٌ متدفّقٌ، وكأنّه يقول: مَن قال إنّ الأمومة حِكرٌ على الأمهات فقط؟؟!!  فالأبوّة أيضاً كالأمومة لها المنحى ذاته من العاطفة، إنّها حنانٌ كبير متدفقٌ لا ينقطع، ودفءٌ متواصلٌ، وتعليمٌ مستمّر، الأب كالأم يقع على عاتقهما معاً مسؤولية تعليم الأبناء وإرشادهم وتوجيههم نحو الصواب. 

تستفيض الكاتبة " صبيحة شبر" - رحمها الله - بإيراد القيم الأخلاقية التي اكتسبتها من والدها؛ كواجب تعلّم العطاء، كما الأخذ، إضافة إلى محبّة الناس. 

وهي ترى أنّ تجربتها لم ترتقي إلى تلك الخبرة التي اكتسبها والدها من الحياة، ولذلك هي تختلف معه أحيانا، لأنها لم تدرك ما أدركه، ولم تختبر ماخَبِره في حياته، تتعلّم من والدها الصّمت، وما فيه من احترام للرأي الآخر، وتقدير السّماع لأفكاره، بعيداً عن الغضب أو ذكر الأخطاء.. تستذكر صفة الرحمة لدى والدها، وتفصّل في الحديث عن ذلك؛ فهو لم يعنّفها يوماً أثناء تصحيح أخطائها، ولم يسِئ إليها بكلمات نابية جارحة، وكان ذلك مثار حسد صديقاتها على وجود والدٍ مثل والدها في حياتها. تقارن الكاتبة كيف كانت تبدو معاملة والدها لها ومعاملة آباء صديقاتها لبناتهن من خلال ضرب بناتهن بالحزام من غير مبالاة أو مراعاة لمشاعرهنّ، تستذكر كيف كان والدها رفيقها في الحياة، يذهبان لشراء كتاب أو للسّوق لشراء ماتحتاجه على ذوق والدها، حتى وصفته صديقاتها بالشاب الوسيم، " من أين لك هذا الشاب الوسيم؟؟ "، ثم تصف والدها بالرجل الذي يخفّف أوجاعها، وكأنّه يُطفئها بصوته الهادئ وبكلماته البلسم الشافي" مصائبي ليست مصائب بالحقيقة، وإنما هي كالملح والفلفل الذي يجعل الطعام لذيذاً يُقبل الناس على تناوله باشتياق"... يبدو الأب في قصة الكاتبة " صبيحة شبر" وكأنّه احتلّ مساحة كبيرة جداً في حياتها، فطغت على دور الأب فقط، بل تخطّت دوره إلى دور الأم في حياة الفتاة الساردة، أو في حياة الكاتبة، فهل كانت الأم غائبة حقيقةً في حياتها؟ أم أنّ تعلّق الفتاة بوالدها كان هو الطاغي ؟؟!! تتجلّى لنا هنا عقدة التعويض عند الكترا وعلاقتها الوثيقة بوالدها، أليست كل فتاة بأبيها معجبة ؟؟!!  وما تشعر به الفتاة تجاه والدها يصل حدّ التقديس والتأله ..

الأب هو المُنجد ساعة الحاجة، هو مَن يستحق الحبّ بقوة، ولذلك يغدو رحيله صعباً قاسياً، تتمنى الكاتبة لو تكحّلُ عينيها برؤيته بعد سنوات طوال من الغياب، وتشعر بالرعب لمجرد أنّه بعيد جداً عنها، لكنّ الكاتبة في قصّتها تُضمّنُ سردها القصصيّ قصةً أخرى، وكأنّها تولّد قصةً من القصة الأم، فالأب الذي تحدّثت عن فقدانه في بداية قصتها، غاب لأسباب قاهرة ولوقتٍ طويل، وحرمانها منه كان صعباً مؤلماً، لقد تمّ توقيفه، و قبله تمّ توقيف الجد، والد والدها، ومن ثمّ حدث الاغتيال المتسلسل، للجدّ ولوالدها ولأعمامها.. والاغتيال الذي تحدّثت عنه الكاتبة ليس قتلاً وحسب، بل إنّه اغتيال لفرح أسرةٍ بكاملها، وإجبارٌ للأب بألا يقيم مجالس عزاء، وألا يخبر أحداً عن مقتل أفراد أسرته الموقوفين، وإلا أُبيدَ الجميع، والكاتبة تُمرر هذا الحدث خطفاً من غير تفصيل أو توسّع، لقد علمت الفتاة الساردة أنّ جميع الموقوفين قد حُكِم عليهم بالموت، حتى الابن الأخير الموقوف قُتل، والذي قد يكون عمّ الفتاة الساردة، بقي الأب، أبو الفتاة الساردة، والتي شبّهوها به كثيراً، عاش مابقي له من العمر، وهاهو اليوم يرحل بعيداً عن ابنته مثقلاً بأوجاعه وآلامه، من غير وداعٍ أو إخبارٍ، لقد حُرمت من والدها في حياته وفي موته، لم تقضي معه ما يكفي في الحياة، ولم تودّعه لدى موته ورحيله.. ورغم كثرة الأهل والأصدقاء الذين يقفون إلى جانبها إلا أنّها تشعر بالوحدة والغربة، ولا تجد من معينٍ سوى الله ليرحم حالها، ويمدّها بالرأفة والقوة، كي تواصل حياتها وتستعيد قوتها التي سلبها منها فقدان الأحبة . استفاضت الكاتبة في الحديث عن الأدبيّات التي نشأت عليها في بداية حياتها، حين كان والدها موجوداً، وحيث استمدّت منه تلك الجماليات الرائعة في التربية؛ من تعاملٍ حسنٍ ومحبةٍ وحنان وعدل وتعليم وتخفيف للآلام.. ثم افتقدت كلّ ذلك دفعة واحدةً، وأصبحت وحيدةً غريبةً من دونه. استطاعت الكاتبة أن تقدّم لنا في قصّتها نهْجاً خُلُقيّاً لما يجب أن يتمتّع به الآباء في وقتنا الحاضر، كما استطاعت أن تعرض درجات عليا من الرقيّ والسموّ لتنشئة الأب لأولاده ولبناته بشكلٍ خاص، وكأنّها بذلك ترفض أن تكونَ التربية حكراً على مهام الأم فقط، إنّها تجعل حضور الأب معادلاً أساسياً لحضور الأم في حياة الأبناء، ولا تميّز لواحدٍ على آخر فيهما. كلاهما مهمٌ في تربية الفتاة والشاب، وإن كنتُ ألمسُ في القصة انزياحاً واضحاً تجاه الأب، فالكاتبة لم تذكر والدتها أبداً، وقد يكون ذلك مقصوداً منها، وهو تبيان دور الأب الذي هُمّش عبر الزمن، وخُصّص للأم فقط، لذلك يقولون:  إذا فشل الأبناء فالسبب في ذلك تربية الأم، وإذا نجحوا فالسبب عندها يعود لتربية الأب، الكاتبة تريد أن تجعل التربية للاثنين معاً، ولذلك استفاضت في الحديث عن دور الأب في تربية ابنته، وقد يكون تخصيص " الفتاة" في القصة كجنس، مقصودٌ وهادفٌ في القصة، إذ غالباً ما تكون الفتاة مُهمّشةً من حيث الحقوق في الأسرة، فحقوقها منقوصةٌ غالباً، ولذلك ركزّت الكاتبة على صفة العدل التي اتصّف بها والدها مع أشقائها. الفقدان مؤلمٌ جداً عندما يكون بصورة الرحيل والموت، فكيف إذا كان فقداناً في الحياة أيضاً بفعل الحرمان والسجن والتوقيف ومصادرة الحرية والتعبير عن الرأي ؟؟؟  لقد وظفّت الكاتبة نصائح والدها لها في خاتمتها كما في حياتها، عندما حَدّثها عن الثقة والإيمان، وكيف يستطيع الإنسان تجاوز آلامه ومتاعبه إذا تمّثلهما وآمنَ بهما، فجاءا؛ الثقة والإيمان، خاتمةً مناسبةً لقصة الكاتبة، وربما لحياتها الصعبة التي تحتاجهما فيها بلسماً شافياً. 

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology