بقلم الدكتور موسى بن حداد جامعة باتنة 1
تُعد رواية "أنغام الإمزاد" أول تجربة سردية للكاتبة الجزائرية "أميمة عريوة"، وهي تجربة تُبرز منذ صفحاتها الأولى وعيا فنيا مبكرا بآليات الكتابة الروائية، رغم بساطة الأسلوب وشفافية اللغة، حيث تنطلق الكاتبة من رؤية إنسانية وثقافية متجذرة في البيئة الجزائرية الصحراوية، مستثمرة رمز الإمزاد – تلك الآلة الموسيقية التي تشكل جزءا من التراث التارقي – بوصفه مفتاحا دلاليا لبنية الرواية، وجسرا بين الذاكرة والهوية، وبين الأنثوي والوجودي.
1. البساطة الأسلوبية وعمق المعنى:
اتّسمت لغة "أميمة عريوة" في هذه الرواية بقدرٍ كبير من البساطة والوضوح؛ فهي لا تلجأ إلى التعقيد البلاغي أو الانزياح اللغوي المكثف، بل تكتب بلغة قريبة من النفس، شفافة، تُمكّن القارئ من التفاعل مع الأحداث دون عناء، غير أن هذه البساطة لا تعني سطحية، بل هي غاية فنية مقصودة، تهدف إلى إبراز الصدق الشعوري والبعد الإنساني في تجربة الشخصيات، لاسيما البطلة التي تسعى إلى استعادة ذاتها عبر نغمة الإمزاد التي ترافقها كصوت داخلي يجمع بين الحنين والتمرد.
2. تعدد الأحداث وتشابكها:
بنيت الرواية على تعدد مستويات السرد، إذ لم تقتصر على خط حكائي واحد، بل تقاطعت فيها حكايات الذاكرة، والهوية والعديد من المضامين الاجتماعية عبر خيوط سردية متوازية تتقاطع في نقاط محددة من صميم الحكي ما منح الرواية طابعا فسيفسائيا عكس تعدد زوايا النظر إلى الواقع، كما انتقلت الكاتبة بين مشاهد الماضي والحاضر، وبين الذاكرة الفردية والجمعية في نسقٍ يشي بقدرتها على الإمساك بتفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى مادة سردية نابضة.
3. التقنيات الموظفة:
رغم حداثة التجربة، فقد استعانت الكاتبة بعدة تقنيات سردية جعلت النص متنوعا وغنيا منها:
-تعدد الأصوات السردية: إذ نلمس تنقلاً بين السارد العليم والسارد الداخلي، ما ينتج توازنا بين الموضوعية والذاتية.
-التناص الثقافي والتراثي: من خلال حضور آلة الإمزاد، وما تمثله من رمزية في الثقافة الطوارقية كأداة للبوح الأنثوي والحنين الوجداني.
-الوصف الشعري للمكان: حيث تتخذ الصحراء دورا مركزيا؛ إذ هي ليست مجرد خلفية للأحداث، بل فضاء دلالي يحتضن الصراع بين الإنسان والطبيعة، وبين الصمت والموسيقى.
4. تحليل العنوان ودلالاته:
يشكل العنوان "أنغام الإمزاد" مفتاحا للقراءة الأساسية للرواية؛ فكلمة "أنغام" تحيل إلى الموسيقى؛ أي إلى الإيقاع الداخلي للحياة، وإلى البعد الروحي الذي يتجاوز اللغة،
في حين أن "الإمزاد" آلة موسيقية تقليدية تعزف عليها النساء التارقيات، وهي ترمز في الرواية إلى صوت المرأة المكبوت والمقاوم في آنٍ واحد، وإلى الذاكرة الثقافية التي تتوارثها الأجيال، وكذا إلى الهوية التي لا تموت رغم العزلة..وبناء على ذلك فالعنوان إذن ليس مجرد تسمية، بل رمز جامع لكل ما في الرواية من جدل بين الصوت والصمت، بين الماضي والحاضر، بين الفن والوجود.
5. الرؤية العامة:
من خلال هذه التجربة الأولى؛ تثبت "أميمة عريوة" أن الرواية ليست دائما رهينة التجارب الطويلة، بل يمكن أن تكون البداية ناضجة من حيث الوعي الجمالي، حيث استطاعت أن تنتج نصا يزاوج بين الواقعي والرمزي مستثمرة التراث المحلي في بناء رؤية إنسانية شاملة، إن "أنغام الإمزاد" ليست مجرد حكاية عن شخصيات، بل هي أغنية سردية تُنشد ذاكرة الوطن، وتعيد تعريف صوت المرأة في فضاء الكتابة.
يمكن القول: إن رواية "أنغام الإمزاد" تُعلن ميلاد صوتٍ سردي أنثوي واعد على الساحة الأدبية الجزائرية، فقد جمعت الكاتبة بين بساطة التعبير وغنى الدلالة، وبين تعدد الأحداث وتنوّع التقنيات، لتقدم نصا سرديا يعبّر بجلاء عن تجربة وجدانية وفكرية ناضجة في شكلها الأول، ويفتح الباب أمام مشاريع روائية مستقبلية أكثر عمقا وتجريبا.
(رواية" أنغام الإمزاد" لأميمة عريوة من هندسةالتخييل إلى جمالية التشكيل).
تعد رواية "أنغام الإمزاد" للكاتبة "أميمة عريوة" تجربة سردية تنتمي إلى لحظة التحول في الرواية النسوية الجزائرية، تلك اللحظة التي انفتح فيها الصوت النسوي على فضاءات تخييلية جديدة، تجاوزت حدود الواقعية التقريرية إلى أفق التشكيل الفني والجمالي؛ فالرواية لا تُقْرَأ بعدها مجرد حكاية عن امرأة أو مجتمع....، بل باعتبارها نصًّا يتأسس على هندسة دقيقة للتخييل، حيث تتداخل الذوات والأصوات والأزمنة في بنية متشابكة تُعيد تحديد مفهوم السرد نفسه. في هذه الرواية تبرز "أميمة عريوة" بوصفها صوتًا سرديًّا جديدًا يسعى إلى تحويل التجربة الفردية إلى رؤية جمالية تتماس مع الذاكرة والهوية والأنوثة، وتعيد صياغة الذات في مواجهة العالم من خلال فعل الكتابة ذاته.
إن هندسة التخييل في "أنغام الإمزاد" ليست مجرد بناء فني للحكاية، بل هي محاولة واعية لتفكيك النموذج السردي التقليدي الذي ساد في الرواية النسوية الجزائرية منذ نهايات القرن العشرين، واستبداله بنموذج أكثر مرونة، يقوم على الانفتاح على الرمز والأسطورة والتراث المحلي والوعي الأنثوي الجمعي.
يتبدى التخييل في هذه الرواية كشبكة من العلاقات التي تربط بين الواقعي والرمزي، بين التاريخي، وبين الصوت الأنثوي المفرد والجماعي في آن واحد، إذ تستدعي الكاتبة آلة «الإمزاد» كرمز ثقافي عميق الدلالة في التراث الطوارقي، ليس بعدها أداة موسيقية فحسب، بل بوصفها بنية دلالية تجمع بين الصوت والذاكرة والهوية؛ فالإمزاد، في تخييل "أميمة عريوة"، يتحول إلى استعارة كبرى تمثل المرأة نفسها، تلك التي تعزف على أوتار الصحراء لتعيد إلى الوجود توازنه المفقود من خلال هذا الرمز، تنفتح الرواية على بعد أنثروبولوجي وثقافي يجعل من الموسيقى لغة بديلة عن القول، ومن الصوت جسدًا متخيلاً للماضي. وهكذا، تصوغ الكاتبة عالمها التخيلي على قاعدة الثنائيات: (الجمال والمعاناة، الحلم والذاكرة، الفن والوجود).
إنّ هندسة التخييل في الرواية تق وم على منطق الانسياب والتداخل، لا على التتابع الخطي للأحداث؛ فالسرد يتحرك وفق إيقاعٍ موسيقي أشبه بأنغام الإمزاد نفسها، يرتفع ويهبط، يتوقف ويستأنف، وكأنّ النصّ ذاته يتنفس إيقاعه الداخلي، والشخصيات في هذا الإطار ليست وحدات درامية مغلقة، بل كائنات متحركة بين الأزمنة، تتجسد كأنغامٍ متقطعة في ذاكرة الراوية. وهنا، تتجلى قدرة الكاتبة على تحويل الزمن إلى مادة تشكيلية؛ فالماضي لا يُروى باعتباره زمنًا منقضيًا، بل باعتباره طاقة متخيلة تستعاد في الحاضر عبر فعل الكتابة؛ فالتخييل في هذا المعنى، هو عملية إعادة صياغة للزمن المفقود، وإعادة بناء لواقعٍ لا يمكن القبض عليه إلا من خلال اللغة.
حيث نجحت "أميمة عريوة" في جعل القارئ يعيش داخل هذا العالم الموزع بين الواقعي والخيالي دون أن يشعر بانفصال بينهما؛ لأن الرواية مبنية على وحدة تخييلية دقيقة تجعل من اللغة نفسها جسدًا حكائيًا نابضًا؛ فالأسلوب الذي اعتمدته الكاتبة بسيط في ظاهره، لكنه محمل بكثافة شعرية تنقل الإحساس بالصحراء كفضاء وجودي وروحي في آن، إذ كل مشهد من مشاهد الرواية يتخذ بعدًا تشكيليًا، حيث تتحول الكلمات إلى خطوطٍ وألوانٍ وصورٍ، وكأن الكاتبة ترسم لوحات صوتية بالكلمات، وهذه الجمالية التشكيلية هي ما يمنح الرواية فرادتها داخل المشهد الروائي النسوي الجزائري، إذ تبتعد عن خطاب الوجع المباشر أو التوثيق الاجتماعي، لتقترب من الفن بوصفه أداة مقاومة للجفاف الروحي وللصمت الجمعي الذي كُتب على النساء في المجتمعات الصحراوية.
ومن الناحية السردية اعتمدت الرواية على تعدد مستويات الحكي وتداخل الأصوات، حيث تتوزع الرؤية بين السارد الداخلي الذي يروي من داخل التجربة، والسارد العليم الذي يطل على الأحداث من الخارج، هذا التعدد يخلق فضاءً تخييليًا خصبًا يتيح تعدد وجهات النظر، ويجعل القارئ شريكًا في بناء المعنى، كما أنّ اللغة في الرواية لا تخلو من نزعة صوفية خفية، إذ تتخذ الموسيقى فيها وظيفة طقسية، تربط بين الإنسان والمطلق، بين المرأة والسماء في انسياب شعوري يعكس الوعي الأنثوي العميق بالكون ككلٍّ منسجم. وهنا، تظهر بصمات الكاتبة في قدرتها على دمج الحسّ الشعري في النسيج السردي دون أن تفقد الحكاية تماسكها.
هذا وتتخذ «هندسة التخييل» في "أنغام الإمزاد" بعدًا بنيويًا من خلال العلاقة الجدلية بين الصوت والصمت؛ فالسكوت في الرواية ليس غيابًا للكلام، بل حضورًا آخر للمعنى، إذ تتجلى فيه لحظات الكشف والانكسار والتأمل. إذ كل صمت هو نغمة محذوفة من لحن الحياة، وكل نغمة هي شكل من أشكال المقاومة ضد الفناء. وهكذا، تُبنى الرواية على هندسة موسيقية دقيقة تجعل التخييل ذاته نظامًا جماليا متقنًا، هذا الاشتغال الفني على الصمت والنغمة والفراغ يضع الرواية في سياق السرديات الحديثة التي تستبدل الحدث بالانفعال، والخطاب بالمناخ، والحركة بالجوهر التأملي.
إنّ جمالية التشكيل في الرواية تتجلى أيضًا في العلاقة بين المكان والهوية؛ فالصحراء ليست مجرد فضاء جغرافي، بل كيان رمزي يعكس هشاشة الوجود الإنساني وامتداد الذاكرة، المكان في "أنغام الإمزاد" متخيل ومتعيَّن في آنٍ واحد، إذ يحمل سمات البيئة الطوارقية ولكنه يتحول داخل النص إلى فضاءٍ تأويلي مفتوح على كل احتمالات المعنى، تتعامل الكاتبة مع المكان كما يتعامل الرسام مع اللون: توزّع الضوء والظل بعناية لتخلق عمقًا بصريًا ووجدانيًا في المشهد السردي. ومن هنا، يمكن القول: إنّ جمالية التشكيل في الرواية هي امتداد لهندسة التخييل؛ لأنّ كل عنصر فيها – الشخصيات، الأزمنة، الأصوات، اللغة، الموسيقى – يتوزع داخل هندسة كونية شاملة تجعل النصّ كائنًا حيًّا نابضًا بالأنغام والصور.
وعند مقارنة أنغام الإمزاد بالرواية النسوية الجزائرية المعاصرة، نلحظ أنّ "أميمة عريوة" اختارت طريقًا مختلفًا عن كثير من الكاتبات اللواتي ركّزن على البعد الواقعي والسياسي في معالجة قضايا المرأة؛ فهي لم تجعل المرأة ضحية قدر اجتماعي، بل جعلتها كائنًا مبدعًا يعيد تشكيل العالم من خلال الخيال والجمال؛ بهذا المعنى تدخل الرواية ضمن تيارٍ جماليٍّ جديد في الأدب النسوي الجزائري، تيارٍ يستعيد الأنثوي من بوابة الفن لا من بوابة الشكوى؛ فالإمزاد، في الرواية، ليس مجرد آلة عزف بل أداة وعي، وصوت يخرج من أعماق الأرض والذاكرة معًا، ليعلن قدرة المرأة على الإبداع وعلى تحويل الألم إلى نغمةٍ مقدسة.
وتتضح نضج الكاتبة أيضًا في إدراكها لوظيفة التخييل بوصفه فعلًا نقديًا للواقع؛ فهي لا تهرب من الواقع إلى الخيال، بل تستخدم الخيال كوسيلة لتفكيك الواقع وإعادة تركيبه؛ فالتخييل عندها ليس انفصالاً عن الحقيقة بل توسيعٌ لأفقها. ومن هنا، يمكن القول: إنّ الرواية تمثل تمرينًا على الوعي الجمالي؛ إذ تعيد ترتيب العلاقات بين الذات والعالم والمعنى، إذ كل مشهدٍ فيها مشغول على نحوٍ يجعل الصورة تتكلم بدل الراوي، وتجعل التفاصيل اليومية تكتسب عمقًا رمزيًا يلامس البنية الثقافية العميقة للمجتمع الجزائري، وخاصة في مناطق الجنوب حيث تتقاطع العزلة الجغرافية مع الثراء الثقافي والرمزي.
إنّ مفهوم التشكيل في هذه الرواية يتجاوز المعنى الفني الضيق إلى معنى كوني شامل؛ فالتشكيل هو إعادة خلق للعالم عبر الخيال، والكاتبة في هذا الإطار تمارس نوعًا من «التخطيط الموسيقي للنص»، حيث توزّع المقاطع السردية على نحوٍ يجعل كل جزء منها يؤدي وظيفة لحنية داخل السيمفونية الكبرى التي هي الرواية نفسها؛ فالحبكة ليست سوى توترٍ موسيقيٍّ بين النغمة والصمت، بين الحلم والانكسار، بين الذات والآخر. وهذا التشكيل السيمفوني للغة يضع الرواية ضمن ما يمكن أن نسمّيه «الرواية الإيقاعية»، وهي الرواية التي تتخذ من الموسيقى نموذجًا بنيويًا لبناء المعنى.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار "أنغام الإمزاد" مختبرًا جماليًا للغة الجديدة في السرد النسوي الجزائري؛ تلك اللغة التي تسعى إلى تجاوز الخطاب الأيديولوجي نحو خطابٍ رمزيٍّ جماليٍّ يؤمن بأنّ التغيير الحقيقي يبدأ من الخيال.
وقد استطاعت "أميمة عريوة" في عملها الأول أن تؤسس لعلاقة جديدة بين القارئ والنص، قائمة على الإصغاء لا على التلقي، وعلى التفاعل لا على الاستهلاك؛ فالقارئ مدعوّ إلى أن يكون عازفًا ضمن أوركسترا النصّ، يشارك في توليد المعنى كما تشارك الأوتار في صناعة النغمة، وهذه المشاركة الوجدانية والمعرفية هي ما يمنح الرواية طابعها الانفتاحي الحديث، ويجعلها نصًا يتجاوز الحدود التخييلية نحو أفقٍ إنساني أوسع.
وفي الأخير تبدو رواية "أنغام الإمزاد" عملاً يؤسس لجماليات سردية جديدة تنبني على هندسة تخييلية دقيقة وجمالية تشكيلية راقية، حيث استطاعت الكاتبة أن تخلق نصًا يجمع بين البساطة والعمق، بين الإيقاع والرمز، بين الواقعي والحلمي، لتمنح الأدب النسوي الجزائري بعدًا جديدًا يتجاوز الذات الفردية نحو الوعي الجمعي بالهوية والذاكرة والأنوثة المبدعة. وهكذا، يمكن القول: إنّ الرواية ليست مجرد سرد لحكاية امرأة، بل هي عزف على أوتار الوجود نفسه، حيث يتحول التخييل إلى موسيقى، والموسيقى إلى شكلٍ من أشكال الإدراك الجمالي للإنسان والعالم؛ إنها رواية تؤمن بأنّ الجمال هو أعمق أشكال الوعي، وأنّ التخييل هو الطريق إلى الحقيقة التي لا تُقال إلا بلغة الفن.
