الحلم والموت في قصة " عبور" للأديب التونسي " علي خالد"(عبور)

 


الكاتبة رولا علي سلوم

حين متّ آخر مرّة ، لم أشعرْ بشيءٍ . كان عبورًا كشعاعِ الشّمس يخترقُ فجوةً في غرفةٍ مظلمةٍ . مقدارُ خفْقةِ قلبٍ أو رفّةِ جفنٍ وتجدُ نفسكَ بعْدئذٍ قد عبرتَ إلى هناك. 

هناك هنا، تنتابُك سكينةٌ عظيمةٌ. تشْعُرُ وكأنّما أُنْشِطْتَ من عِقالٍ وتخفّفْتَ مِنْ حِملٍ ثقيلٍ يُرْهقُك ويمزّقُ نياطَ قلبكَ. هنا، تشْعُرُ بدفقٍ عظيمٍ من النُّور يلفُّك كما لو كُنتَ تسْبحُ في بحرٍ دافئٍ، لا كمَا كُنتَ تسبحُ في مامضَى من أيّامك الأولى، في بحرٍ متقلِّبٍ المِزاجِ. والغَريبُ أنّكَ لا تشعرُ بالإختناقِ أوْ بالحاجةِ إلى جُرعةِ هواءٍ، تفقِدُ كلّ إحساسٍ بالجاذبيّةِ ، لا تشعرُ إلّا بجاذبيّةِ هالةٍ عظيمةٍ من النّور، بشكلٍ يُشبهُ، ربّما، سباحةَ تلكَ السّمكاتِ الملوَّنةِ في مسابحِ الزّينةِ حيثُ لاَ خوفَ أنْ تُطاردها الحيتانُ وتجعل منها فريسَتها المفضّلة . 

هنا، تشعرُ أنّ الزّمن غير الزّمن، تنتبهُ كما لوكنتَ في حُلم ، ورائحةٌ دافئة ساحرةٌ تلفّك من كل جانب ، تَحينُ منك بيْن الفيْنةِ والفينةِ التفاتةٌ إلى الوراءِ. هذا ماحدث معي. رأيتُ بادئَ الأمر زوجتِي وأبنائِي وأصْدقائِي المقرّبِين في نشيجٍ ونحيبٍ . يسْترجعُون ويتبادلُون نظراتٍ حائرةً ، تنثالُ الكآبةُ عليهم. قد مزّق قلوبَهم خبرُ موتِي. موجِعٌ هذا الموتُ ورهيبٌ. كمْ سرقَ منْ نُور وجوهِهم الغضّةِ. 

ثم تُواصلُ سباحتكَ. لحظاتٌ و تحينُ منكَ التفاتةٌ أخرى ، وقد تلاشتْ من حولك كل الرّوائح إلاّ نسماتُ طيبٍ معروكةٍ بالثّرى تغشاك من فوّهة صغيرةٍ عنْ يمينك ولمّا تفارقْ موضِعكَ الأوّل بعدُ، فترى وُجوهًا ضاحكةً مستبشرةً زاهيةً. هذا ماحدث معِي على الأقلّ. 

تتعرّفُ بصعوبةٍ على قسماتِ الوُجوهِ ؛ ياالله ... إنّهمْ هُمْ ، لا أحدَ غيرُهم ، أبناؤكَ ،  يا الله ...كمْ تغيّرُوا !! أيُعقل أن يحدث هذا في ساعاتٍ قليلةٍ... فيهم بعضُ ملامحِكَ وأنتَ في ريعان شبابِك، وإذا بينَهم فتاةٌ ترفُلُ في البياضِ. الله ... إنّها في تمامِ زينتِها،  لا شكّ أنّها تستعدُّ لحفلِ زفافِها. ترَى فيها ملامِح زوجتك وضحكتها يوْمَ زُفّتْ إليْك. تحدِّثُ نفسكَ؛ أيعقلُ أنْ يعودَ الزّمنُ إلى الوراءِ !؟ أليْستْ هذه زوجتِي !؟ لا ... غير ممكن . تبتسمُ حين ترى إبنك البِكرَ يُمسكُ ذراعَ عجُوزٍ، يُساعدُها على صعود منصّةِ العرُوسَيْن . إنّها هي ...نعم هي  بلا ريْبٍ. زوجتُك تصعدُ منصّة العروسَيْن، وقد سلبَها الزّمانُ نضارتَها واستقامةَ ظهْرها، ترسُمُ قُبُلاتِها على خدِّ ابنتِك. 

وتنصرفُ كالأثير مرّة أخرى، كالنّجم السّابح في الفضاء الرّحْب . تصل إلى سمعك همهمات وضحكات . تتبيّن صوتا تعرفه، أجل ، يُطربُك جرسُه . إنّه يردّد إسمك ، يناديك بأحبّ أسمائك إليك . ياااااه ...مرّ زمن طويلٌ لم تسمع فيه من يتحبّبُ باسمك . تلتفت باحثًا عن مصدر الصّوت. وتنتبه إلى المشهد... شابّ في مقتبل العمر يلاعب طفلاً يَدرُج لم يكمل عامه الثاني ربّما . تهفو إلى الصّوت ، إلى الشابّ والطّفل هذا الّذي يحمل إسمك. تطفر من عينيْك دمعةٌ ساخنةٌ دافئةٌ ؛ إنّه إبنُك البكرُ يلاعبُ حفيدك الّذي لم تره. ينفرط منك عقد من الدّمع. تتذكّر أنّك الآن ميّت.  يا إلهي! أيعقل أن يبكي الموتى !؟ ربّما. هذا ما حدث معي . 

وتنصرفُ إلى سبْحِك في أناةٍ. ترَى نورًا يتراءى لكَ من بعيدٍ كفتيلِ شمعةٍ. يومضُ لكَ. تتْبعُه. تقتربُ... تقتربُ أكثر. تُميِّزُ فيه همساتٍ تعرفُها. تعرفُها جيّدا. هدهدةٌ كاللّحنِ اللّذيذِ يخترقُك...ينفذُ عبر جميعِ ما بقي من مساماتِك، ايقاعٌ دافِئٌ يذكِّركَ بخطواتِك الأُولى في حياتِك السّابقةِ

" دَا دِيشْ. دَا دِيشْ ** دَا دِيشْ. يَكْبرْ ويعِيشْ " . 

يخترقُك الصّوتُ، ينتشِرُ حولَك، تشعرُ بِه. يلبَسُكَ تتشَرَّبُه. تطرَبُ لهُ. الصّوتُ يقتربُ. أوْ لعلّكَ أنتَ منْ يقتربُ. يتسرّبُ اللّحْنُ فِي كُلّ هباءَاتِك، ذرّاتِكَ السّابحةِ فِي الملكُوتِ. تسبحُ باتّجاهِ هالةٍ من الضّياء. يزدادُ النُّور لمعانًا. يسْطعُ أكثر . تخترقُك رائحةٌ تُنعشُكَ. رائحةُ تُعيدُك إلى المهْدِ. تشعُر بحفيفٍ حَوْلَك. تُغمِض عينيْك . فترى وجه أمّكَ صافيًا، تُناغِيك كما كانتْ تفعلُ وأنتَ في مهْدكَ الأوّل . تسارعُ ، ترفعُ إليها يديْك. تشعُر أنْ قدْ نبتتْ لك زعانِفُ جديدةٌ أو جناحان. لستَ تدْري . كلُّ ما تتبيَّنُه أنّك تضاعفُ منْ سيركَ باتّجاهِ شُعاعِ النُّور الّذي يزدادُ بريقًا كلّما اقتربْتَ أكثر. وتهتفُ سلاماً سلاماً. 

تفتحُ عينيْك ، ترى وجوهًا كثيرةً حولكَ. تشعرُ بيديْن دافئتيْن تلفّان يدكَ اليُمْنى. لا تزالُ الصُّورةُ باهتةً. ضبابٌ يغطّي عينيْك. بصعوبةٍ ، تُميِّزُ وجهها، وجه أمّك وترَى دموعًا تملأُ أحداقَها ووجوها كثيرة من حولها لا تراها ولكن تشعر بنبضك يهفو إليها. وتسمعُ صوتًا قادمًا من بعيدٍ، صوت الطبيبِ الجرّاحِ الّذي أجْرى لك العمليّة : 

" الحمدلله ،  إنّه يستفيق ، إنّه يَعود إليكُم، من بعيدٍ ، من بعيدٍ جدّا،  إنّه يُولدُ من جديدٍ ". 

تتحسّسُ بيديْك خيوطًا كثيرةً تغطّي كامل جسدِكَ. ويعودُ إليْك ثِقلُكُ كما لم تتخَلّصْ منه منذُ حين ، وتتلاشى منْك كلّ الصور  وإذا الجسدُ مسجّى في غرفة الإنعاش وترتفع من حولك الأكفّ إلى السّماء

          ************

قراءة في قصة (  عبور )

المفتاح الذي استخدمه الكاتب لقصته هو كلمة " عبور" بدلا من الموت، لم يقل متُ بل؛ عبرتُ ..

وهذا العبور جاء قوياً نفاذاً كشعاع الشمس الذي يخترق فجوة في غرفة مظلمة .

تبدو الحياة حِمْلا ثقيلاً مرهقاً، فيأتي الموت ليخفّف عبء هذا الحِمْل .. ويبدو الطرف الآخر من الحياة " هناك" مليئا بالنور الذي يلف الإنسان كما لو كان يسبح في بحر دافئ، والسباحة من نوع آخر مختلف، ليس كما كان في سابق الأيام حيث المزاج المتقلب .

" هناك" حيث المجال للراحة والسكينة بعيداً عن صخب الحياة، وعن تلوث الهواء، لا اختناق ولا حاجة إلى جرعة هواء، حتى الجاذبية الأرضية يفقدها الإنسان " هناك "، فالجاذبية هناك من نوع مختلف أيضا، إنها جاذبية من هالة عظيمة من النور، وهي تشبه سباحةً السمكات الملونة في حوض زجاجي للزينة، حيث لاخوف من مطاردة حيتان لها فتكون فريستها المفضلة . 

يبدو الزمن حلماً، ورائحةً دافئةً ساحرةً، ويحدث أن يلتفت الإنسان وهو هناك إلى الوراء قليلا كما حدث مع شخصية الراوي الذي يسرد القصة؛ رأى زوجته وأبناءه وأصدقاءه المقربين وهم يبكون حزناً على فراقه، الموت أوجع قلوبهم، وسرق الفرح والسعادة من مُحياهم . وبعد لحظات أخرى والتفاتة ثانية، يرى الراوي تلك الوجوه السابقة وقد تغيرت . تزوج أولاده، وكبرت زوجته وأصبحت عجوزاً،  وهو يراها الآن تحضر عرس ابنتها بعد أن فقدت جمال شبابها وحيوتها ..

وبعد التفاتة أخرى يسمع اسمه من صوت لطالما أحبّه، ليتبيّن أنه ابنه وهو يلاعب طفله في عامه الثاني . يشعر بالشوق والحنين لذينيك؛  الشاب، والطفل الذي يحمل اسمه، لتطفر من عينيه دمعة ساخنة دافئة ..

كم هو مؤلم مشهد ابنه البكر وهو يلاعب حفيده الذي لم يره !!!

يعبّر الكاتب عن فيض أحاسيسه من خلال شخصية الرجل الذي يسرد حلمه، وقد انفرط منه عقد من الدمع، وبعد أن أدرك أنه ميت تعجب قائلا : أيعقلُ أن يبكي الموتى ؟!!

هي ذي التفاتة أخرى يرى فيها حفيده وقد أصبح يخطو خطواته الأولى، وتلك الهدهدة الحميمة وهي تشجعه على المشي " داديش .. داديش ..يكبر ويعيش " . ثم التفاتة أخرى ليرى حفيده وهو في المهد تناغيه أمه .

ينتهي شعاع النور ليتوقف عندما تخترقه رائحة تنعشه، رائحة تعيده إلى المهد حيث وجه أمه  الصافي الجميل وهي تناغيه، كما كانت تفعل وهو صغير، يحلّق لحضور وجهها الملائكي، ونبضات يديها الدافئتين، ودموع عينيها المتدفقتين .. 

ثم يأتي الطبيب الجرّاح ليكسر حاجز الحلم أو الرؤيا بقوله : " الحمد لله إنه يستفيق، إنه يعود إليكم من بعيد، إنه يولد من جديد " . يعود لثقله من جديد، تتلاشى كل الصور، وترتفع الأكف نحو السماء حمداً على سلامته . 

النص يرفل بجملة من المشاعر العاطفية الدافئة .. لقد اختار الكاتب كلمة " عبور" من باب الأمل والتفاؤل بحياة جديدة، فالرجل لم يمت حقيقة، لكنه يحلم كما لو أنه انتقل لحياة أخرى، فأخذ يتخيل مستقبل عائلته والمصير الذي آلوا إليه ..

يستخدم الكاتب جملة من المفردات التي تشكّل حقلاً دلالياً وعاطفياً للحالة الشعورية التي عاشها مثل :" سكينة عظيمة، يمزق نياط قلبك، دفق عظيم، هالة عظيمة من النور، تحين منك بين الفينة والفينة، التفاتة إلى الوراء، مزّق قلوبهم خبر موتي، نسمات طيب معروكة بالثرى، ريعان شبابك، ترفل في البياض، همهمات وضحكات، صوتاً يطربك جرسه، يااااه ، تهفو إلى الصوت، تطفر من عينيك دمعة ساخنة دافئة، ينفرط منك عقد من الدمع، إيقاع دافئ يذكّرك بخطواتك الأولى، يتسرّب اللحن في كل هباءاتك، ذراتك السابحة في الملكوت، تناغيك كما كانت تفعل وأنت في مهدك الأول، تتلاشى منك كل الصور .."

يوظف الكاتب دفق مشاعره في النص، فلا تخلو جملة من كلماته إلا وتفيض بالحب والشوق والحنين والحزن والألم والوجع والحسرة ...

أجمل مايمكن للإنسان أن يعيشه من لحظات في الحياة، يخطّها الكاتب بنياط قلبه؛ تلك التي إن تألمت توجّعَ القلبُ بأكمله ..

تطغى الحروف الهامسة في القصة لتزيدها عذوبةً وشفافيةً مثل :" رجفة، جفن، انفرط، عبرت، سكينة، تخففت، حمل، ثقيل، يرهقك، تسبح، إحساس، دافئة، الفينة، نشيج، نحيب، تنثال، الثرى، مستبشرة ..." .

كذلك تلوّنُ الأساليب اللغوية النص بدلالات موحية كقوله : ( كم سرق نور وجوههم الغضة ؟! _ يا الله ..كم تغيروا !!_ أيعقلُ أن يحدث هذا في ساعات قليلة ؟! _ أيعقل أن يعود الزمن إلى الوراء ؟!_ أليست هذه زوجتي ؟! _ أيعقل أن يبكي الموتى ؟! ) . كما أدّت ظاهرة التكرار في النص وظيفة مهمة من خلال التأكيد على مايريد الكاتب قوله مثل تكرار كلمة " أيعقل " دلالة على استنكاره وعدم تصديقه مايحصل معه، وتكرار كلمة " الفينة" لشدّ انتباه القارئ للأحداث في القصة، وتكرار كلمة " داديش" للتأثير العاطفي في ذات القارئ . ثم استخدامه للطباق ( هناك . هنا ) وهو ما قام عليه السرد بأكمله في القصة، المقارنة بين الموت والحياة . 

وبدا استخدامه للصور الفنية الجميلة المعبرة جلياً مثل : " كان عبورا كشعاع الشمس، نسمات طيب معروكة بالثرى، سلبها الزمان نضارتها، تنصرف كالأثير كالنجم السابح في الفضاءالرحب، كاللحن اللذيذ ، نبتت لك زعانف جديدة أو جناحان " ولعلّ أجمل ما اختاره من الصور الفنية هو " ينفرط عقد من الدمع " تلك الصورة؛ صورة العقد المنفرط، والتي طالما وظفها الشعراء قديما في التعبير عن مشاعر الحزن والفقد كما تبّدت في شعر عبدة بن الطبيب وهو يرثي ابنه .. يغدو العقد حبات دمع كانت مربوطة بعناية، ثم جاء الحزن ليفرطها ويجعلها تتناثر وتتسع مداراتها ..

ويستخدم الكاتب صيغة الفعل المضارع للدلالة على تجدد الحدث واستمراريته في الزمن الواقع مثل : " أشعر ، يخترق، يجد، تنتابك، تشعر، يرهقك، يمزق ، تسبح، تطاردها، تنتبه، تلفك، تحين، يسترجعون، يتبادلون، تواصل ، تفارق، تتعرف ، ترفل، تستعد، ترى، تبتسم ، يمسك ، يساعدها، تصعد ، ترسم ، تنصرف، تصل، يطربك ، يردد ، يناديك ، يتحبب ، تلتفت ، تهفو ، يحمل، تطفر " .

هذا التلوين والغنى في الأساليب والإيحاءات الدلالية أكسب النص جمالية رائعة .. 

إنّ شعور الإنسان بالمرض أو التعب أو الحزن أو الألم يجعله يزهد في حياته، ويشعر بالضعف والحنين لكل شيء جميل كان أو سيكون، وهذا ما استطاع الكاتب التعبير عنه بلغة شفيفة تحمل من الدفء العاطفي الشيء الجميل .. 

قصة مؤثرة استطاع مبدعها أن يترك في ذاكرتنا شعاعاً مبهراً، والتفاتة آسرة .


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology