بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
ليست أعظم طريقة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف أن نملأ الشوارع بالزينة، أو نتبادل الحلوى، أو نردد عبارات المحبة في موسمها ثم تعود الحياة بعدها إلى ما كانت عليه؛ فالمولد الحقيقي لا يحتاج إلى زينة تُعلَّق على الجدران بقدر ما يحتاج إلى أخلاق تُعلَّق في السلوك، ولا يكتمل بذكرى تُروى، وإنما برسالة تُعاش.
في ذكرى مولد النبي محمد ﷺ، لا نحتاج أن نسأل فقط: ماذا نعرف عن سيرته؟ بل السؤال الأهم: ماذا بقي من سيرته فينا؟
هنا تبدأ الزاوية التي كثيرًا ما تغيب وسط الاحتفال؛ فالمولد النبوي ليس مجرد مناسبة لاستحضار الماضي، وإنما فرصة لإعادة قراءة الحاضر في ضوء أخلاق النبوة. أن ننظر إلى تفاصيل حياتنا اليومية، إلى طريقة حديثنا، إلى تعاملنا مع المختلف، إلى أمانتنا حين لا يرانا أحد، إلى رحمتنا بالضعيف، وإلى قدرتنا على العفو حين نملك أسباب الانتقام.
لقد جاء النبي ﷺ في بيئة كانت تعرف القوة، لكنه أعاد تعريف القوة؛ فلم يجعلها في القدرة على إخضاع الآخرين، وإنما في القدرة على ضبط النفس، وحفظ الكرامة، ونصرة الحق دون ظلم. وكان يمكن للإنسان أن يملك المال والجاه والمكانة، لكن القيمة الحقيقية كانت دائمًا فيما يصنعه ذلك الإنسان بالآخرين.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للذكرى أن تتحول إلى طقس بلا أثر.
أن نحتفل بالرحمة ثم نقسو على أقرب الناس إلينا، ونتحدث عن الصدق ثم نبحث عن مخرج للكذب، ونردد فضائل التسامح بينما نحترف تخزين الإساءة، ونرفع أصواتنا بالصلاة على النبي ﷺ ثم لا تهذبنا الصلاة أخلاقياً.
المولد، في معناه الأعمق، يمكن أن يكون مراجعة أخلاقية هادئة؛ لحظة يسأل فيها كل إنسان نفسه: هل أصبحت أكثر رحمة؟ أكثر صدقًا؟ أكثر إنصافًا؟ هل صرت أهون على الناس أم أثقل عليهم؟ هل وجودي في حياة الآخرين يترك طمأنينة أم يترك ندوبًا؟
وهنا تتجاوز السيرة حدود الكتب لتدخل إلى الشارع والبيت ومكان العمل والهاتف والشاشة.
في زمن أصبحت فيه كلمة واحدة على مواقع التواصل قادرة على كسر خاطر إنسان، تصبح الرحمة النبوية موقفًا عمليًا. وفي زمن صار التشهير أسرع من التحقق، يصبح حفظ اللسان مسؤولية. وفي زمن يتسابق فيه البعض إلى صناعة الخصومات، يصبح العفو قوة لا ضعفًا. وفي زمن كثرت فيه الأحكام السريعة على الناس، تصبح معرفة الإنسان قبل إدانته نوعًا من الإنصاف الذي نحتاجه بشدة.
ولعل أجمل احتفال بالمولد أن نعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام.
أن نتذكر أن وراء كل شاشة قلبًا، ووراء كل موقف قصة لا نعرفها، ووراء كل إنسان معركة قد لا يراها أحد. أن نخفف أحكامنا، ونوسع رحمتنا، ونمنح الآخرين مساحة للخطأ والتوبة والبداية الجديدة.
فالنبي ﷺ لم يعلّم الناس أن يكونوا نسخًا متطابقة، بل علّمهم كيف يعيشون الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، وكيف تكون الرحمة لغة مشتركة بين البشر.
ومن أكثر ما نحتاج إليه اليوم أن نعيد اكتشاف أدب الاختلاف؛ لأن المجتمعات لا تنهار فقط حين يقل فيها الحب، وإنما حين يصبح الاختلاف سببًا للإهانة، ويصبح الرأي المختلف مبررًا للعداء، ويصبح الحوار معركة لإثبات من ينتصر لا مساحة للوصول إلى الحق.
ومن هنا يمكن أن يتحول الاحتفال بالمولد من مناسبة موسمية إلى مشروع أخلاقي يمتد طوال العام: عام بلا تنمر، عام بلا تشهير، عام بلا ظلم متعمد، عام نراجع فيه كلماتنا قبل أن نطلقها، ونوايانا قبل أن نحاسب الآخرين عليها.
وليس المقصود أن يصبح الإنسان كاملًا؛ فالكمال ليس للبشر، وإنما أن يصبح أكثر وعيًا بأثره فيمن حوله. أن يعرف متى يعتذر، ومتى يسامح، ومتى يصمت، ومتى يقول كلمة طيبة يمكن أن تنقذ إنسانًا من يوم ثقيل.
فالاحتفال الحقيقي لا ينتهي بانتهاء ليلة المولد، ولا تذوب آثاره مع آخر قطعة حلوى؛ بل يبقى في يدٍ تمتد للمحتاج، وكلمة ترفع المكسور، وحق يُرد إلى صاحبه، وظلم يُرفض، وخصومة تُطفأ، وقلب يتعلم الرحمة من جديد.
وفي ذكرى مولد المصطفى ﷺ، ربما لا نحتاج إلى المزيد من الكلمات بقدر ما نحتاج إلى شيء أكثر صدقًا: أن نُخرج سيرته من إطار المناسبة إلى تفاصيل الحياة.
فإذا كان المولد ذكرى ميلاد رسول الرحمة، فليكن في كل بيت شيء من الرحمة، وفي كل علاقة شيء من الرفق، وفي كل كلمة شيء من الصدق، وفي كل اختلاف شيء من الأدب.
حينها فقط لا يكون المولد مجرد ذكرى نحتفل بها… بل أثرًا نعيش به.
