د.حيدر علي الاسدي ( ناقد واكاديمي)
يمثل الفكر المسرح للألماني برتولد بريخت اهم اشكال المقاومة الثقافية ومحاولة التغيير واهمها مسرحية 99 بالمائة الخوف والبؤس في الرايخ الثالث الصادرة عن الهيئة العربية للمسرح 2019 وهي من المسرحيات غير المعروفة الا انها تمثل تجربة مهمة في مواجهة المد النازي لهتلر، فمنذ العتبة الأولى (عنوان المسرحية) يسخر بريخت من النظام النازي بصورة تهكمية واضحة من الدعاية النازية عن انتخابات العاشر من ابريل 1938 عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية اذ اشاعوا ان نسبة الالمان الذين انتخبوا هتلر بلغت 99 بالمائة ، وهذا الامر يتوضح جلياً في أساليب العديد من الحكام الطغاة والذين يتلاعبون بنتائج الانتخابات او يمارسون الاجبار والترهيب على الناخبين من اجل الحصول على أصواتهم وهذا ما كان يسخر منه بريخت آنذاك في عنوان هذا النص المسرحي، وفي هذه المسرحية يستعرض بريخت براعة اليات القمع النازي في تأسيس نظام يزرع الخوف والرعب في نفوس المجتمع، وينتقد بريخت في المشهد الأول من المسرحية ثقافة العسكرتارية والعنف وهو تدجيج النظام بشتى نواع الأسلحة وعسكرة المجتمع والحياة بصورة عامة فقد جاء في هذه المسرحية : ((عندما سمعنا في العام الخامس، ان ذاك الذي يقول عن نفسه ، ان الرب ارسله ، قد اصبح مستعداً لحربه، بعد ان صنعت الدبابات والمدافع والسفن الحربية؛ طائرات لا تحصى تربض في الحظائر لو أقلعت -بالشارة منه- لأظلمت السماء)) أي بعد مرور خمس سنوات على تولي هتلر السلطة وبعد احتلال النمسا والرايخ الثالث كان يطلق على هتلر، وقد استشرف برتولد بريخت الخطر المداهم لاوربا من قبل هذا النظام الدموي فيقول في هذا النص المسرحي ((على رايات حمراء كالدم، صليب معقوف، ينذر بأهوال قادمة للمساكين البسطاء)) ان بريخت في هذه المسرحية قد صور كل المأساة الحقيقية للمجتمع الألماني جراء تسيد النظام النازي ومسكه لمقاليد زمام الأمور في البلد وكان يصف المد النازي بالحثالة والطغمة المستبدة التي لا تحترم ابسط حقوق المواطن الألماني وهم من حولوا الحياة في المانيا آنذاك الى بائسة وتشوبها الاخطار والاسر الألمانية يأكلها الفقر والعوز والأزمات الاقتصادية التي تضرب المجتمع بصورة عامة وبخاصة الطبقات الكادحة التي خسرت وظائفها واعمالها جراء السياسيات الخاطئة لهتلر وحكومته ، فنرى بريخت في هذا النص المسرحي لا يكف عن وصف تلك المعاناة عبر شخصياته الأوضاع المأساوية للمجتمع الألماني ((الأول: في البداية ينبغي اخراج الانسان الألماني من وسط حثالة البشرة)) وكذلك في حوار اخر (( الثاني: اتقصد ان الوضع خطير هنا؟ .الثاني: المواطن الصالح لا يسكن في مثل هذه الاكواخ)).ويلتقط بريخت ابرز أساليب الحاكم المستبد الاقصائي وهو النظرة المتعالية للأعراق الأخرى والايدولوجيات المختلفة معه فكان شديد العداء للشيوعين وقادم بالتضييق عليهم ومطاردتهم وذلك انطلاقاً من الإيمان بتفوّق العِرق الآري ولان الشيوعيون كانوا أصوات فكرية معارضة لحكم هتلر لانهم يعتقدون ان الأجواء الفوضوية للرأسمالية هي من انتجت هذا النظام المستبد الفاسد فيقول هتلر على لسان شخصياته في هذا النص المسرحي: ((لا تنظر الي هكذا يستحقون ما يحدث لهم لماذا هم شيوعيون)) وكذلك: ((العامل: سأتكلم كتيبة العاصفة كلها بشحمها ولحمها يمكن ان تذهب الى الجحيم انا مع الماركسيين....جندي العاصفة: يا رجل يمكنني ان اجعل اقرب دورية شرطة تقبض عليك)) ومن أوجه النظام المستبد الذي سعى بريخت لمقاومته وتعريته هو (الغاء الصوت الاخر/ او الفكر المقابل) فهو نظام لا يستمع لاي صوت سوى الا صوت حزبه ورأيه الأوحد الذي يجب ان يسير فهو نظام يصادر الحريات والأفكار ويؤمن بالرأي الدكتاتوري الأحادي فقط، والناس في هكذا أنظمة تخشى الأدلاء بالرأي لأن أي رأي مخالف معناها تصنيفهم في خانة المعارضين وانتظار العقوبة التي قد تصل الى التهجير او السجن او حتى الإعدام: ((العامل: وكيف هي الأفكار في الوقت الحالي؟. جندي العاصفة: الأفكار جيدة هل لديك رأي أخر؟ العامل: لا ولكنني اظن ان لا احد يقول ما يفكر فيه)). ومن اشكال البؤس والظلم وانعدم العدالة هو الفساد في النظام الدكتاتوري وعدم القدرة على تنظيم شؤون البلد من الناحية الاقتصادية وهذا ما صوره بريخت من خلال رصده لتأثيرات الازمات الاقتصادية على افراد المجتمع الألماني الذي عانوا من العوز والفقر وارتفاع الأسعار في ظل النظام النازي وحكومة هتلر الامر الذي يدخلهم بفاقة اقتصادية وحرب اقتصادية على قوتهم اليومي المتمثل بضروريات العيش الطبيعية: ((العامل: ثم خرجت امرأة نحيفة قصيرة من محل مواد غذائية في الزاوية زوجة عامل كما يبدو قفي قلت لها منذ متى وهناك عمال في الرايخ الثالث؟ نحن الان لدينا المجتمع التضامني الذي يضم الأثرياء أيضا "لا" هكذا قالت لقد اطلعوا بالسمن النباتي طلعة صاروخية من خمسين بفنغ الى مارك كامل)) ولان بريخت كان الصوت الهادر المعارض لنظام هتلر فقد زرع ذلك في شخصياته المتجلية في بناء نصه المسرحي ضمن فكرة المقاومة الثقافية الذي عمد على ارسائها كصوت من أصوات النخبة الواعية التي يجب ان تحمس الجماهير وتدخل لهم ثقافة المعارضة لهذا النظام المستبد الذي يصادر حرياتهم وحقوقهم ليكونوا على قدر من المسؤولية وعدم الخشية من قول كلمة الحق بوجه السلطان الجائر : ((العامل: قلت للمرأة ولكن ماذا تفعلين بالمسدس ؟ على معدة خاوية لا قالت اذا كان ينبغي علي ان اجوع فليذهب عندئذ كل شيء الى الجحيم كل هذا الهراء وعلى رأسه هتلر)) وفي أجهزة الأنظمة المستبدة ودولتهم ثمة ملامح تبدو متقاربة في كل الأنظمة الدكتاتورية ومنها بناء المعتقلات سواء السرية او تلك المعتقلات التي يقاد لها المعارضين دون أي وجه حق ، وهذا ما كان يعتمده النظام النازي في التعامل مع العديد ممن يختلفون معهم بالفكر والرأي فكانت المعتقلات دلالة رمزية لهذا النظام الدكتاتوري المستبد والذي يقدمه بريخت بصورته السوداوية إزاء المجتمع الألماني المسالم وقدمه للعالم بصورته الحقيقية بعد ان عراه وكشف زيفه لكل المجتمعات في العالم عبر هذا النص المسرحي : ((ينهض المعتقل ويبدأ في تنظيم المرحاض من الخراء بحركات سريعة غير متقنة. قائد المجموعة: اضربه على بطنه. "رجل الاس اس: يضرب المعتقل على بطنه")) ان بريخت وضع ضمن بنى شخصياته المسرحية العديد من أفكار المعارضة لنظام هتلر والتي كان يؤمن بها بريخت أشد الايمان ومنها ضرورة تدخل المجتمع لوقف الفكر النازي واستبداد هتلر وعدم السماح له بالتوغل اكثر والعبث بالبلدان الاوربية المجاورة لان الطاعة العميان والخوف والمجاملة هما أمور تسمح بتوسع هتلر اكثر بطغيانه واستبداده وكان على احداً ما ان يتصدى لهذا الميد النازي لإيقافه وهذا ينطلق بادية من قول كلمة لا وعدم الانصياع لتلك الأوامر التعسفية الدكتاتورية التي يحكم خلالها هتلر المانيا بسلطة الخوف : ((الزوجة: تسمحون لأشباه القرود بتوجيه الأوامر لكم لكي تغزو العالم انتم متوحشون او تلعقون احذية المتوحشين، ترون امرأة تحزم حقائبها ولا تقولون شيئاً)) ومن ضمن الأفكار العنفوية التي يؤمن بها النظام الدكتاتوري هو قتل المخالفين والمعارضين وتذويب أجسادهم وعدم السماح لأهليهم بالاعتراض او الكلام حول هذا الشأن وهذا ما نراه في هذا النص المسرحي وهو يتقارب كثيراً مع ما يفعله النظام الديكتاتوري في اغلب البلدان :((العامل: اريد ان أرى ما فعلوا به انهم يخافون ان نرى ذلك.والا ما كانوا وضعوه في صندوق من الزنك.....المرأة الشابة: لدي اخ يمكنهم ان يقبضوا عليه ياهانز....فليبق الصندوق مغلقا لسنا بحاجة الى رؤيته نحن لن ننساه)) في هذه المسرحية وردت العديد من الموضوعات والأفكار التي ترسخ فكرة النظام الدكتاتوري المستبد والمناهضة الثقافية له من قبل الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت مثل : فكرة المخبر السري، سوء خدمات، كثرة العاطلين عن العمل، فساد في أجهزة الدولة، العنصرية والتفرقة العرقية،الشائعات واكاذيب الاعلام الداعم للحاكم، الخدمة الإلزامية القسرية للشباب (المدنية والعسكرية)، التعذيب والتطريد للمعارضين، الاعتداء على بلدان الجوار من دون وجه حق او سبب مقنع، وغيرها من صور الحياة التي تتسم بالسوداوية والظلم الكبير للفرد في المجتمع الألماني، ليختم بريخت مسرحيته بقوله "لا" لهتلر على لسان احدى شخصياته في هذا النص المسرحي المملوء بالفكر المقاوم والمناهض للمد النازي ونظام هتلر : ((العامل الشاب: ماذا نكتب اذن في المنشور بخصوص الاستفتاء الشعبي؟ .المرأة: افضل شيء ان نكتب كلمة واحدة فقط : لا !)) وهي تمثل الرفض الثوري لكل اشكال الحكم النازي ولقائدهم الحاكم هتلر وهي لا تحريضية للمجتمع الألماني للخلاص من هذا النظام المستبد الذي عاث بالحياة الألمانية فساداً.

