بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
هل تستطيع أن تمرّ وسط كل هذا القبح… دون أن يصبح شيءٌ منه جزءًا منك؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في زمن السوشيال ميديا لم يعد كذلك. يكفي أن تفتح هاتفك لتجد سخرية تُسمى فكاهة، وتنمرًا يُقدَّم كجرأة، وتشهيرًا يرتدي ثوب الحقيقة، وشائعة تنتشر قبل أن يسأل أحد: من قال؟ وأين الدليل؟
ومع تكرار المشهد، لا يصبح الخطر في أن نرى التجاوزات فقط، بل في أن نعتادها؛ ثم نبدأ، دون أن نشعر، في استخدام اللغة نفسها، والرد بالأسلوب نفسه، والدخول في المعارك نفسها.
وهنا يُختبر النضج الحقيقي: أن ترى الفوضى كاملة… دون أن تسمح لها بأن تعيد تشكيلك.
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل؛ أصبحت مساحة تختلط فيها الحقيقة بالشائعة، والنقد بالتشهير، والاختلاف بالإهانة. وقد يكفي منشور مقتطع أو مقطع خارج سياقه ليصنع حكمًا عامًا، بينما الحقيقة لم تُسمع من جميع أطرافها.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: «كم شخصًا شارك المنشور؟» بل: «هل هو صحيح أصلًا؟»
فليس كل ما ينتشر يستحق التصديق، ولا كل ما يثير الضجة يستحق المشاركة. أحيانًا تكون ضغطة «مشاركة» مساهمة في ظلم شخص، أو نشر معلومة مضللة، أو منح التنمر جمهورًا جديدًا.
والأخطر أن الاعتياد يغيّر المعايير. ما كان تجاوزًا بالأمس قد يصبح اليوم «ترندًا»، وما كان إهانة قد يُقدَّم على أنه مجرد مزاح، حتى يفقد القبح قدرته على إثارة الدهشة.
هنا يصبح الوعي ضرورة.
أن ترى الاستفزاز ولا تستعيره، وتختلف دون أن تهين، وتنتقد الفكرة دون أن تشوّه صاحبها، وتعرف أن بعض النقاشات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن رد فعل جديد.
وليس مطلوبًا أن تخوض كل معركة؛ فبعض المعارك لا تنتهي بانتصار أحد، وإنما تنتهي عندما يقرر أحدهم ألا يواصلها.
والنضج أن تعرف متى يكون الرد موقفًا، ومتى يكون الصمت حماية، ومتى تكون المغادرة احترامًا لنفسك.
الأهم ألا تسمح لضجيج الشاشة أن ينتقل إلى حياتك. لا تجعل تعليقًا عابرًا يفسد يومك، ولا حملة إلكترونية تحدد نظرتك إلى الناس، ولا خلافًا افتراضيًا يزرع في واقعك قسوة لم تكن فيه.
فأنت لا تستطيع أن تمنع الفوضى من الوجود، لكنك تستطيع أن تمنعها من السكن داخلك.
أن ترى القبح دون أن تتعلمه، وتواجه التجاوز دون أن تصبح متجاوزًا، وتغادر المشهد دون أن تحمل فوضاه معك.
فأعلى درجات النضج ليست أن تنتصر في كل معركة…
بل أن تخرج من كل معركة وأنت ما زلت أنت.
