( ثلاثية اللّون والضوء والظلّ)



"رؤية جمالية خاصّة بين بعض لوحات الفنانين  رامبرانت وماهر بلوك باشي" 

أجمل الألوان تلك التي نراها في الطبيعة على حقيقتها، التراب والسماء والبحر و الشجر...

وأجمل الأضواء تلك التي تنبثق من ضوء الشمس أو القمر، فتعكس جمالياتها على الأشياء من حولها..

وأجمل الظلال تلك التي تتشكّل من امتزاج اللّون والضوء، كظلّ الشجر أو الجبل أو ..

في الظلام الدامس لا يستطيع الإنسان رؤية شيء أو تمييزه عن غيره حتى ينبلج ضوء الفجر، فيأتي قوياً نفاذاً، يشدّ العين للوهلة الأولى حيث ظهر وتفجّر..

الضوء يأتي ليكشف دقائق الأشياء وتفاصيلها، وقد يُجمّل ما يعكسه أحياناً، أويعرّي النقائص والسلبيّات، إنّه العين الثالثة؛  فنظرة العين قد تحملُ من الحبّ والدفء، أو من الكره والحقد، أو من الحسد والغيرة، أو من الغضب والشرارة، أو من التعب والوجع، أو.. كلّ تلك المشاعر يكشفها الضوء ويُظهرها بوضوح.. وحيث يكون الضوء يكون اللّب والمركز، فهو النور والهدف المراد.. 

والأرض التي نعيش على سطحها، لا قيمة جمالية لمساحاتها الهائلة الممتدة في ظلّ انعدام اللّون والضوء والظلّ، هي ذي ثلاثية متكاملة مع بعضها بعضاً.

وقد يظنّ الإنسان أنّ الضوء يأتي من تضادّ الألوان كالأبيض والأسود، لكنّ المتأمّل للطبيعة، يرى أنّ الضوء واللّون يأتيان من أبسط عناصرها ألا وهو التراب..اللّون الترابيّ الدافئ هو ملك الألوان اللافتة بتدرّجاته اللّونية الآسرة.

وهذا ما نجده في لوحات الفنان الهولندي " رامبرانت"؛ رامبرانت هارمنزون فان راين ( 1606_ 1669) فنان هولندي من العصر الذهبي الهولندي. ولد في مدينة ليدن، وتعلّم الرسم فيها ثم درس لفترة قصيرة في أمستردام، وانتقل إليها بشكل نهائي تقريباً عام 1632، حيث أصبح من أشهر الرسامين في هولندا . 

فاللوحة لدى "رامبرانت" قد لاتحتوي سوى لون ترابيّ واحد هو اللون البنيّ؛ ولكن بتدّرجات هائلة أكسبت اللوحة عمقاً وجمالاً.. وقد لا يُحققُ تدرّج اللّون بمفرده هذه الجمالية، وإنما يأتي الضوء الذي يشكّله رامبرانت من اللون الذهبي الهادئ ليُظهِر تفاصيل اللوحة وأبعادها..

اللّون الترابي قد يحتوي عناصر كثيرة من بشر وجمادات، ومع ذلك تبدو اللوحة غنيّةً ممتلئةً، ويتجلّى غناها من خلال التفاصيل المهمة التي تبدو على وجه الشخص في البورتريه أو على الموجودات المادية. وهذه التفاصيل تؤثر نفسيّاً على المشاهد للوحة، فهي لا تجعله يتوقف عندها وحسب، بل تشدّه ليشعر بالبعد النفسيّ للوحة ذاتها، وما تحمله من مشاعر وأحاسيس، وكأنّ الرائع "رامبرانت" جعل الرائي يستمتع باللوحة ليقرأ مابين السطور وما خلفها، وليس ما رأته عيناه حقيقة وحسب..

اللّون البنيّ الهادئ هو ما اختاره "رامبرانت" في معظم لوحاته، وهو لون مريح للعين، ألسنا نرتاح جميعاً برؤية التراب والأرض التي نعيش عليها دائما؟؟!!

ثم الضوء؛ وهو أساسٌ في أسلوب "رامبرانت"، فالضوء هو الوسيلة التي يريد الفنان من خلالها التركيز على الفكرة المقصودة، لذلك يختار له تقنية محدّدة من خلال سماكة اللون وكثافته، فيبدو الجزء المهم في اللوحة كثيفاً ومركزاً كالعين أو الخدّ أو الفم، خلاف بقية الأجزاء من اللّوحة، التي تبدو ملساء هادئة مظلمة داكنة ..ومن هنا كان الضوء لافتاً في أعماله، إنّه يستخدمه بكثرة، فيغدو أسلوباً يتفرّد به عن بقية الفنانين، وقد يكون ذلك متأتياً من تمعّن "رامبرانت" بالطبيعة وعشقه لها وهيامه بها، حتى استلهم منها أجمل وأروع موجوداتها..

نحن لانزال إلى يومنا هذا يأسرنا مشهد كلّ من الشروق والغروب، ومشهد الغابة بظلالها الكثيفة.. هذه الأشياء حيث العمق والهدوء والرهبة الكونيّة التي يصعب على الإنسان تجسيدها ما لم يمتلك حسّاً شاعرياً مرهفاً، وعيناً بصيرة نافذة. 

في لوحات "رامبرانت" عبارة تقول: " انظر حيث الضوء في اللّوحة"، فما الذي يحتويه هذا الضوء ؟؟ قد يحتوي السكينة والهدوء، وقد يحتوي العيوب من تجاعيد وإرهاق وتعب وعدم تناسق.. فالضوء عنده تعبيرٌ عن العاطفة العميقة في نفسه.. 

لايسعى "رامبرانت" نحو الكمال والمثالية في رسم شخصيات لوحاته، بل على النقيض إنّه يُظهرها على حقيقتها كما هي تماماً وهذا يمنحه صدقاً وواقعيةً في التعبير..

لقد مرت حياة الفنان "رامبرانت" بمراحل متعددة، بدءاً من مرحلة التعلّم والتجربة؛ حيث الدقة والتفصيل في لوحاته، وحيث الضوء والظلّ حاضران بحدّةٍ وقوةٍ. ثم في المرحلة الثانية من حياته حيث شهرته بالبورتريه.أما المرحلة الثالثة؛ فهي مرحلة النضج؛ حيث تبدّى الإحساس في لوحاته قبل التفاصيل، وحيث ترك بعض أجزاء اللّوحة أقلّ تحديداً أو تركيزاً عليها. أما المرحلة الأخيرة من حياته، تغدو الفرشاة أكثر حريةً، واللّون أكثر سماكةً في بعض أجزاء اللّوحة، تقلّ التفاصيل و يكبر الإحساس و يزيد.

وإذا كان الانطباعيون يقولون: كيف أرى الضوء واللّون؟ 

فإنّ "رامبرانت" يقول: كيف أجعل الضوء واللّون يجعلان الإنسان محسوساً؟  

توفي "رامبرانت" في أمستردام عام 1669 عن عمر 63 عاماً. له حوالي ثمانون صورة ذاتية معروفة له بين لوحات ورسومات، وهي تغطي تقريباً حياته الفنية كلها. استخدم وجهه كأنّه " موديل دائم" يستطيع من خلاله دراسة الضوء والتعبير والعمر والملمس.    

في لوحة "رامبرانت" التي تظهر فيها شخصيته، صورته، تبدو الإضاءة جليّةً على الجبين حيث التجاعيد، وعلى الخدّ والأنف حيث التعب والإرهاق، لا تظهر تفاصيل العينين، لكنّ النظرة تصلنا بدقة، حيث الإحساس في العينين قويّ وظاهر، طغا بسلاسة على التفاصيل، وربما ما كان ليحقق ذلك لولا الإضاءة التي أحاطت بكلّ من الجبين والخدّ والأنف.. 

وفي لوحة القارب وسط العاصفة في البحر، تتركز الإضاءة على الأمواج من جهة واحدة، وهي الجهة التي يميل فيها القارب نحو السقوط في البحر، الأشخاص على القارب كثر لانراهم بدقة، لكننا نشعر بخوفهم وبهلعهم وبتشبثهم بسارية القارب خوف الغرق والموت.

وفي لوحة أخرى تظهر فيها مجموعة من الرجال بأضواء خافتة، على حين تظهر شخصيتان ملكيتان بلباس أنيق وقد سُلّط الضوء عليهما دون باقي الموجودات في اللّوحة، وركّز فيها الفنان "رامبرانت" على تسليط الضوء على لباس شخصية واحدة جهة اليمين، وإضاءة متوسطة على وجوه الشخصيات الموجودة من غير أن تكون التفاصيل واضحة تماماً. وفي لوحة أخرى تظهر الإضاءة على وجوه الشخصيات وعلى ياقاتهم البيضاء حول الرقبة، على حين يبدو اللّباس أسود غائماً لا وضوح فيه. وفي لوحة أخرى لرامبرانت تظهر شخصيته فيها حيث الضوء مركزاً على خدّه وعلى الريشة الموجودة في مقدمة القبعة على رأسه. هذه اللّوحات المشهورة له يبدو فيها أسلوبه متميّزاً كبصمةٍ متفرّدة عن الآخرين في مجال الضوء والظلّ. 

أما عن الفنان السوري " ماهر بلوك باشي"مواليد دمشق 1966 فإنّ ما قدّمه من لوحات تذكّرنا ببعض ما أبدعه الفنان " رامبرانت"، إذ إنّه يستلهم أسلوب معظم لوحاته في البورتريه من العظيم "رامبرانت"، ويظهر تأثره جليّاً به، وتحديداً ما يتعلق بثلاثية الضوء واللّون والظلّ. 

تقوم تجربة الفنان "ماهر بلوك باشي" في أساسها على علاقة مباشرة مع الواقع، بدأت من اهتمام عميق بالبورتريه وبقدرة الرسم الزيتي على التقاط حضور الإنسان، ليس من خلال التشابه الخارجي وحده، وإنما من خلال الضوء، والبنية، والتعبير، وما يمكن أن تختزنه الملامح من حالة إنسانية. في مراحلها الأولى؛ كان الميل إلى الواقعية أكثر وضوحاً؛ حيث كانت دقة الملاحظة وبناء التفاصيل وسيلة أساسية للوصول إلى الصورة المقنعة. ومع مرور الوقت وتراكم التجربة بدأ هذا الالتزام بالتفاصيل يتراجع تدريجياً لمصلحة رؤية أكثر تحرراً، فأصبح الاهتمام منصبّاً بصورة أكبر على الكتلة اللّونية وعلى العلاقات بين الضوء والظلّ، وعلى كيفية بناء الشكل من خلال اللون بدل الاعتماد على الخط بوصفه نقطة البداية.

ومن هنا يبدو التطور في تجربته أقرب إلى انتقال داخلي في طريقة رؤية الموضوع، وليس مجرد تغير في الأسلوب، فالواقع لم يعد بالنسبة إليه شيئاً ينبغي نقله كما هو، بل أصبح نقطة انطلاق لإعادة صياغته بصرياً. ولهذا بدأت ضربات الفرشاة تكتسب حريةً أكبر، وأصبح اللّون أكثر حضوراً في بناء الشخصية والمزاج، بينما بقيت صلته بالواقعية حاضرة كمرتكز أساسي.

وفي أعماله الأحدث، يمكن ملاحظة محاولة واضحة الموازنة بين المعرفة الأكاديمية بالصياغة الواقعية وبين الرغبة في التحرر منها، فهو لا يتخلّى عن الشكل ولا عن التشابه، لكنّه يمنح اللّون والضوء مساحة أكبر للتعبير، الأمر الذي يقرّب تجربته تدريجياً من الواقعية الانطباعية حيث لا تكون الغاية إعادة إنتاج الواقع حرفياً، وإنما الوصول إلى جوهره البصري والانفعالي. ولعلّ أهم ما يميّز هذا التطور أنّ التحول لم يأتِ من الرغبة في تغيير الأسلوب لمجرد التغيير، بل من تراكم الممارسة نفسها، إذ ازدادت خبرته في التعامل مع اللّون والضوء، أصبح أقلّ حاجة إلى التفاصيل لإثبات الشكل، وأكثر ثقة بقدرة اللّون والعلاقة الضوئية على حمل الصورة، ومن هنا تبدو تجربته الحالية مفتوحة على مزيد من الاختزال والحرية  دون أن تفقد جذورها الواقعية التي تشكلّت منها.

في لوحة الرجل تبدو مهمة بالنسبة لبدايات الفنان ماهر، حيث كان يعتمد التفاصيل أكثر من الكتل اللونية، تظهر دقة التفاصيل على معالم الوجه، حيث تبدو الإضاءة على الجبين والخدين بوضوح، على حين يبدو الجزء اليساري من اللّوحة داكناً مظلماً، وكأنّها رغبةٌ من الفنان ماهر بلوك باشي إلى لفت نظر الرائي نحو الجزء اليميني الذي ركّز الإضاءة عليه أكثر، مانحاً ظلالاً خفيفةً تحت الفم وحول العينين. فاللّوحة مزجٌ لمرحلتين عمريتين في حياة الشخصية المرسومة؛ مرحلة الشباب الذي ولّى وذهب، ومرحلة النضج الحاضر، وهذه المرحلة الثانية من العمر في حالة أفولٍ وموت أيضاً، لأنّ الشباب مضى برحيل الشخصية المرسومة.

وكما رسم الفنان "رامبرانت" صورته الشخصية كموديل في أكثر من لوحة، نجد لوحةً للفنان "ماهر بلوك باشي" وقد رسم فيها صورته الشخصية بمنمنماتها الجميلة من أضواء وظلال وألوان هادئة، مانحاً ريشته تفاصيل دقيقة وجمالية رائعة؛ إذ جاءت شعرات الرأس واللّحية وكأنها حقيقية من لحمٍ ودم، وليست ريشة ألوان وظلال وأضواء فقط. وكالعادة الضوء يتخذ جانباً واحداً من اللّوحة، يمتدّ الضوء من الجبين حتى الخدّ فالأنف، حتى الملامح تغدو أكبر وأكثر وضوحاً من ملامح الجهة الأخرى من الوجه. والرائي للّوحة قد لايرى العينين فيها بوضوح، إلا أنّه يشعر بتلك النظرة الحانية وقد حملت بين جَنبيها تعباً وضعفاً واضحَين.

وفي لوحة الفتاة ذات الشعر الأشقر للفنان "بلوك باشي" تبدو ثلاثية اللّون والضوء والظلّ ظاهرةً بوضوح، إذ يغيب الجزء الأيسر من الوجه تماماً، ليبدو الجزء الأيمن جليّاً، يغدو وجه الفتاة بعين واحدة ذات رؤية نفاذة، الضوء في اللّوحة يحتلّ مساحة الجبين والخدّ والفم من جهة اليمين في اللّوحة، ويتوزّع الضوء والظلّ على الشعر بأكمله تقريباً، في حين يظهر اللّون الذهبي البنيّ الترابي وحيداً في اللّوحة بتدرجاته المنسجمة مع بعضها بعضاً.. هذه الثلاثية: اللّون والضوء والظلّ، تبدو بوضوح كبير في هذه اللّوحة من لوحات الفنان "ماهر بلوك باشي". 

وفي لوحة الفتاة حافية القدمين، يُكثف الفنان بلوك باشي الضوء على ساق الفتاة وعلى حذائها، للتركيز على جمالية معينة في امتلاء ساقيها، أو للتركيز على عملها إذ تبدو من خلال لباسها وكأنّها راقصة.

وفي لوحة الفتاة التي تبتسم ونظراتها نحو السماء، تبدو الأضواء في اللّوحة على الخدّين والرقبة والشعر، وتتوزع الظلال على الجهة اليمنى من الوجه وتحت العينين، أما اللّون فهو اللّون الذهبيّ الممتزج باللّون البنيّ الترابيّ الفاتح.. لا توجد تفاصيل دقيقة في اللّوحة، لكنْ فيها كمّ هائل من المشاعر الدافئة الحانية في العينين والابتسامة وحركات الشعر العشوائي، وهي رسمةٌ مهمة جداً، انطباعي خالص ورسم بالضوء.

وفي لوحة العجوزين المتعانقين باللّونين الأبيض والأسود، تبدو الأضواء مركزّةً على الظهر والشعر، في حين تغيب التفاصيل عن بقية الأجزاء من اللّوحة، ليغدو التركيز على الإحساس المشّع في اللّوحة، وهو الذي منح اللّوحة كثافةً واضحة، وعمقاً إنسانياً كبيراً، طغا على كلّ ضربات الفرشاة والريشة والألوان والتفاصيل.. 

وفي لوحة الشاب والموبايل؛ من أعمال الفنان "بلوك باشي" ركّز فيها على التفاصيل الدقيقة، كتصفيف الشعر، واللّباس الأنيق حيث الأزرار والجيوب ودرزات القماش، ثم خطوط الحاجبين، ودقة الفم والأنف، والبلاك الفضي الذي يرتديه الشاب في يده بمنمنماته الجميلة، كلها تفاصيل دقيقة تجذب عين الرائي وتجعلها تتأمل وتفكر ..

وفي لوحة الرجل ذي البدلة السوداء، لوحة مهمة جداً فيها مايكفي من الانطباعية وتأثير الضوء، تبدو الإضاءة واضحةً في أماكن محددة في الوجه؛ الجبين والخدّ والأنف والذقن، بلونٍ ممزوج بين البني والذهبيّ الفاتح، الألوان محدودة في اللوحة لكنّ التعبير فيها ممتلئ وكبير .

كذلك لوحة الفتاة ذات النظرات الجميلة والشعر الأشقر، الإضاءة فيها تتكثّف في الجهة اليمنى على الخدّ والشعر والعينين، لتمنح اللوحة نوراً وتألقاً وجاذبيةً. وفي لوحة الفتاة والبطة تتسّع مساحة الضوء لتظهر على الوجه بأكمله مانحاً الفنان ريشته نوراً يسكبه على وجه الفتاة وبطتها بما فيه من شعور غامر بالفرح والسرور والضحكة الكبيرة.  بينما تظهر الإضاءة في لوحة الطفل الباكي على الجبين والخدّ وخصلات الشعر، لتظهر اللّوحة بظلال أكبر وتركيز هادف على الحالة الشعورية للطفل، وهي الحزن والألم والبكاء بحرقة. وفي لوحة الفتاة المتأملة نحو السماء؛  ففيها نرى أنّ الكتلة اللّونية تأخذ اهتمام الفنان دون الخوض في تفاصيل الكلاسيكية والواقعية، بحيث يصبح البورتريه عبارة عن قصة وليس مجرد صورة. 

وتنسحب هذه الثلاثية إلى رسومات الطبيعة، فلوحة الخريف حيث تتركز الإضاءة على الأوراق الصفراء البرتقالية، بينما الظلّ يتجسّد من خلال اللون الأخضر الغامق ولون الأرض الترابي وأغصان الأشجار الداكنة، هذا التفاوت بين الفاتح والغامق في اللّوحة خلق ظلالاً جميلةً جداً وتركيزاً على الضوء البادي على أوراق الأشجار الكثيرة في اللّوحة. كذلك في لوحة الغروب والقارب الفارغ في البحر؛ فالضوء يبدو جليّاً على قرص الشمس وقطع الغيوم البيضاء في السماء وأجزاء من القارب، على حين تبدو الظلال على أمواج البحر في الماء المائلة للّون الرماديّ الغامق. وفي لوحة النار والحطب المشتعل تتركّز الإضاءة على ألسنة اللهب الصفراء والبرتقالية، بينما تبدو بقية أجزاء اللوحة بألوان الحطب القاتمة. وفي لوحة المزهرية نلحظ تحوّلاً من الرتابة والواقعية المفرطة إلى حرية الفرشاة لتُنسج الكتل اللّونية بألوانها الزاهية المشرقة.

أما عن الإضاءة في لوحات الأبيض والأسود أو لوحات الفحم، فمكانتها كبيرة جداً، لأنّ الفنان "بلوك باشي" يبرع في توزيع اللّون والضوء والظلّ فيها؛ ففي لوحة الفتاة التي تنظر إلى الوردة الحمراء كمٌ هائل من الإضاءة على الوجه وأطراف اليد واللّسان والساق واللّباس جهة اليسار، على حين تبدو جهة اليمين قاتمةً. وفي لوحة الوعل جاءت الإضاءة في مكان واحد وهو تحت العين اليسرى، وذلك للتركيز على نظرة الحزن في تلك العين . وفي لوحة الفتاة العارية يتوزّع الضوء والظلّ من خلال لون واحد هو اللّون الرمادي مزيج الأبيض والأسود على الصدر وخصلات الشعر وأجزاء من الجسد العاري ليُكسب اللوحة جاذبيةً وتألقاً. بينما نجد الأضواء بتوزيع جميل ومتناسق في لوحة الفتاة اليابانية حيث الضوء على الجبين والخدين وتحت الفم وأعلى الكتف والصدر، واللّون السائد في اللّوحة هو البني العسليّ وقد منح العمل هدوءاً وصفاءً ونظرةً متأنيّة. 

ومع ذلك لامقارنة ولا مقاربة مع لوحات الفنان " رامبرانت"، وإنما هي دراسة لفنانَين تحمل تجربتهما القليل من التقارب باعتبار أنّ الضوء هو البطل الحقيقي في أعمالهما.

تلك اللّوحات للفنان " ماهر بلوك باشي " وما تضّمنته من دلالات وأبعاد التقطتها عيني برؤية جماليّة، وذائقة فنية خاصّة، قد أكون مصيبةً فيها أو ربما مخطئة، ولكنني لن أقول إنّني قارنتها أو قاربتها مع لوحات الفنان "رامبرانت"، بل سأقول إنّها أعمال فيها استلهامٌ و تأثرٌ جميلين بأسلوب الفنان العظيم " رامبرانت" الذي اختط لمسيرة حياته الفنيّة أسلوباً فنيّاً جميلاً ورائعاً جسّد فيه ثلاثية اللّون والضوء والظلّ بأبعادها الدقيقة، ومشاعرها الإنسانية العميقة الصادقة. ولا يضيرُ أبداً أن يتأثر فنانون حديثون بأسلوبه ولو كان التأثر من خلال لوحات محدّدة. فعملية الخلْق والإبداع ليست سوى تأثر أعمال بأعمال ، وتمازج حضارات مع حضارات أخرى  سبقتها، وهذه حالةٌ صحيةٌ تدّل على أنّ مجتمعاتنا قادرة أن تتطوّر وتقدّم الأجمل.

رولا علي سلوم 

a

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology