الكاتب بلعربي خالد
(إضاءة خافتة. شيخ يجلس وحيدًا في دار المسنين. كرسي خشبي قديم. عكاز إلى جانبه. صمت طويل. ينظر إلى الجمهور لا كأنه يراهم، بل كأنه يرى شيئًا بعيدًا خلفهم.)
الشيخ:
هل تعرفون ما الغريب في الحرب؟
أنها لا تبدأ بصوت المدافع...
تبدأ بصمت.
صمت شاب يقف أمام أمه، لا يعرف لماذا يودعها.
صمت أب يخفي دموعه حتى لا يرى ابنه خوفه.
صمت ورقة صغيرة تحمل توقيعًا لا يشبه توقيعك... لكنه يقرر حياتك.
كنت شابًا.
كنت أظن أن العمر طويل، وأن الغد يشبه اليوم.
كنا نركض خلف الكرة في الأزقة، نحلم بأشياء صغيرة... بيت، عائلة، خبز ساخن، وليل هادئ.
ثم جاءت الشاحنات الفرنسية.
لم تأتِ كأنها تحمل رجالًا...
جاءت كأنها تحمل أقدارًا لا نملك رفضها.
أخذونا.
لم يسألونا: هل تريدون؟
لم يقولوا: إلى أين؟
فقط فتحوا الأبواب، ودخلنا.
وهكذا أصبحنا جنودًا.
جنودًا في حرب لا نعرفها، ضد عدو لم يكن عدوّنا.
(يصمت. ينظر إلى يده.)
أتذكر أول ليلة في الثكنة...
كنا كثيرين، لكن كل واحد منا كان وحيدًا.
وجوه عربية حولي، عيون تبحث عن الوطن، وألسنة تهمس:
"لماذا نحن هنا؟"
لم يكن هناك جواب.
فقط صوت الأحذية العسكرية وهي تضرب الأرض.
(يتغير الضوء قليلًا. صوت موسيقى بعيدة.)
في يوم العيد...
أرادوا أن يجعلونا ننسى.
ألبسونا ثيابًا جديدة.
بدلات عسكرية فرنسية... قبعات لامعة... أحذية لم تتعود أقدامنا عليها.
أقاموا لنا حفلة.
غنت أم كلثوم من جهاز قديم...
صوتها كان يحمل حزنًا يشبه حزننا.
قدموا لنا الطعام الفاخر، وملأوا الكؤوس بالنبيذ.
كانوا يضحكون...
يرقصون...
وكأن الحرب لم تكن موجودة.
وربما كنا نضحك نحن أيضًا.
نعم...
كنت أضحك.
ليس لأنني سعيد.
لكن الإنسان أحيانًا يضحك كي لا ينهار.
كانت تلك الليلة عزاءً صغيرًا للحياة.
كنا نسرق لحظة فرح من بين أصابع الموت.
(صمت.)
ثم جاء البحر.
آه... البحر.
لا أحد يعرف قسوة البحر إلا من نام في جوفه.
مررنا بقناة السويس...
وكان في صدري شيء ثقيل.
لم أعرف هل كان خوفًا أم حزنًا.
عملت مساعد طباخ شهرًا كاملًا.
كنت أقطع الخبز، وأغسل الأواني، وأراقب الجنود.
ثم، في يوم واحد...
أعطوني السلاح.
هكذا ببساطة.
من رجل يحمل ملعقة...
إلى رجل يحمل بندقية.
من إنسان...
إلى أداة.
(إضاءة زرقاء. صوت أمواج.)
كانت السفينة تهتز.
الموج يرتفع...
ثم يسقط بنا.
كنا محشورين في بطنها.
لا يختلف حالنا عن البضائع التي تحملها.
وجوه شاحبة.
عيون تائهة.
جنود عرب مثلي ينامون فوق أرض باردة، يتقاسمون قطعة خبز يابسًا وجبنًا قاسيًا.
نتحدث عن الوطن.
عن الأمهات.
عن الأزقة التي تركناها.
أما هم...
الفرنسيون...
فكانوا في الأعلى.
ضحكاتهم تصل إلينا.
كؤوسهم تصطدم ببعضها.
نبيذهم، موسيقاهم، حياتهم...
ونحن هنا...
نعدّ الأيام قبل أن نعدّ الموتى.
كانوا ينظرون إلينا كأننا ظلال.
كأننا لم نكن بشرًا.
كنت أسمع ضحكاتهم تختلط بصوت البحر.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا:
أن الإنسان قد يغرق...
قبل أن يصل إلى الشاطئ.
(ينهض ببطء. يمسك العكاز كأنه يمسك حبل سفينة.)
ثم وصلنا.
الهند الصينية.
لكنني لم أصل إلى أرض...
وصلت إلى جحيم.
(إضاءة حمراء. أصوات بعيدة للمدافع.)
ديان بيان فو...
اسم لن أنساه ما حييت.
كانت الأرض ترتجف.
السماء لم تعد زرقاء.
كانت نارًا ودخانًا.
كنا نركض...
لكننا لم نكن نعرف إلى أين.
نطلق النار...
ولا نعرف على من.
الوجوه تختفي داخل الغبار.
الأصوات تختلط.
صرخة هنا...
وانفجار هناك...
وفي لحظة واحدة...
تغير كل شيء.
(ينظر إلى يده وكأنها غائبة.)
سقط شيء مني هناك.
شيء لم يعد أبدًا.
لم أفقد يدي فقط...
فقدت الرجل الذي كنت عليه قبل الحرب.
(صمت طويل.)
منذ ذلك اليوم...
كلما نظرت إلى المرآة...
لا أرى شيخًا.
أرى ذلك الشاب الذي خرج من بيته ذات صباح...
ولم يعد.
(يخفض رأسه. تخفت الإضاءة.)
الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع...
الحرب تنتهي فقط عندما يموت آخر شخص يتذكرها.
وأنا...
ما زلت هنا.
ما زلت أتذكر.
نهاية
