الكاتب بلعربي خالد
السلطة والنفوذ والحرب
لم تكن الأرض مملكة واحدة.
منذ أن انشقَّت القارة العظمى في زمن لا يتذكره أحد، حكمتها أربع ممالك، تفصل بينها حدود مرسومة بالدم والذهب.
في الشرق قامت مملكة الدينار، مملكة الثروة والأسواق والقوافل. كان شعارها عملة ذهبية تتوسطها شمس، وكان ملوكها يؤمنون بأن من يملك خزائن الأرض يستطيع أن يشتري نصفها، والنصف الآخر يشتريه الخوف.
وفي الجنوب قامت مملكة الكأس، أرض الأنهار والموائد والاحتفالات. كان شعارها كأس فضية ينساب منه نهر. لم تكن تملك أكبر الجيوش، لكنها كانت تعرف كيف تجعل الآخرين يحتاجون إليها.
أما في الغرب فكانت مملكة السيف، أكثر الممالك صرامة. شعارها سيف مسلول فوق جبل. كان جنودها يقولون:
"ما لا تفتحه المفاتيح، يفتحه السيف."
وفي الشمال، بين الغابات والسهول، قامت مملكة العصا. شعارها عصا من خشب قديم تحيط بها أغصان. كانت أقل ثراءً من الدينار وأقل ترفًا من الكأس، لكنها كانت تملك الأرض، والعمال، والجنود الذين يعرفون كيف يعيشون في الشتاء والحصار.
أربع ممالك.
وأرض واحدة.
وكانت المشكلة أن كل ملك كان يريد الشيء نفسه:
أن يصبح ملكًا على الجميع.
الفصل الأول: أربعون ورقة
في قصر قديم يقع في قلب القارة، وُجدت ذات ليلة خريطة غامضة.
لم تكن خريطة عادية.
كانت مقسمة إلى أربعين جزءًا.
في كل عشرة أجزاء رمز لإحدى الممالك.
وعلى كل مجموعة أرقام:
1، 2، 3، 4، 5، 6، 7... ثم 10، 11، 12.
قال حكماء القصر إن الخريطة ليست مجرد خريطة.
كانت نبوءة.
ومن ينجح في جمع الأوراق الأربعين تحت رايته، يستطيع أن يطالب بحكم القارة.
انتشر الخبر كالنار.
وفي اليوم نفسه، بدأت الحرب.
الفصل الثاني: مملكة الدينار
لم يعلن ملك الدينار الحرب.
لم يكن بحاجة إلى ذلك.
استدعى الملك مستشاريه وقال:
"لن نرسل جيشًا واحدًا قبل أن نعرف كم يكلف سقوط عدونا."
كان الآص أول رجاله، رجلًا غامضًا لا يظهر في الساحات.
وكانت أوراق 2 إلى 7 شبكته من التجار والجواسيس والسماسرة.
أما العشرة فكان قائد الأسواق.
والحادي عشر كان سفيره الذي يستطيع أن يصافح عدوًا في الصباح ويمول خصمه في المساء.
أما الثاني عشر، فكان الملك نفسه.
لم يكن الدينار يشتري الجنود فقط.
كان يشتري المعلومات.
وكانت المعلومة عندهم أغلى من الذهب.
قال وزير الخزانة:
"يا مولاي، السيف قوي."
أجاب الملك:
"إذن اشترِ له الحديد."
"والكأس؟"
"اشترِ له الخمر."
"والعصا؟"
ابتسم الملك:
"اشترِ لها الخشب."
الفصل الثالث: مملكة السيف
لم يكن ملك السيف يؤمن بالذهب.
كان يؤمن بالخوف.
جمع قادته الأربعة وقال:
"الدينار يشتري الرجال. الكأس يخدعهم. العصا تختبئ خلف الجبال."
ثم وضع سيفه على الطاولة.
"أما نحن... فنأخذ ما نريد."
بدأت جيوشه تتحرك.
سقطت ثلاث مدن حدودية خلال سبعة أيام.
لكن الملك لم يكن يعلم أن الحرب الحقيقية لم تكن على الحدود.
كانت داخل قصره.
فقد كان أحد قادته قد عقد اتفاقًا سريًا مع الدينار.
وكان قائد آخر يفاوض الكأس.
أما الثالث فكان ينتظر فقط أن يسقط الملك، ليجلس مكانه.
كان السيف حادًا.
لكن صاحبه لم يكن الوحيد الذي يعرف كيف يستعمله.
الفصل الرابع: مملكة الكأس
لم تخض الكأس حربًا مباشرة.
أرسلت الدعوات.
في ليلة واحدة، أقامت مأدبة حضرها سفراء الممالك الثلاث.
رفع ملك الكأس كأسه وقال:
"لسنا أعداء. نحن جيران."
ضحك السفراء.
كانوا يعرفون أن أخطر الجمل تبدأ بكلمة "السلام".
في تلك الليلة، عقدت الكأس ثلاثة اتفاقات.
مع الدينار:
"لن نهاجم أسواقك."
مع السيف:
"لن نمول أعداءك."
ومع العصا:
"سنشتري محاصيلك بأسعار مضاعفة."
خرج الجميع من القصر معتقدين أنهم ربحوا.
لكن الملكة كانت قد ربحت أكثر.
فقد جعلت كل مملكة تعتمد عليها.
وكانت تعرف أن الدولة التي تعتمد عليك لا تحتاج إلى احتلالها.
يكفي أن تغلق الباب.
الفصل الخامس: العصا
كانت مملكة العصا تبدو الأضعف.
لكنها كانت تعرف سرًا لم تفهمه الممالك الأخرى:
الأرض لا تحتاج إلى تاج لكي تبقى.
كان فلاحوها يعرفون الجبال.
وجنودها يعرفون الغابات.
وشيوخها يعرفون طرق الأنهار.
عندما وصل جيش السيف إلى حدودها، لم يجد جيشًا أمامه.
وجد قرى فارغة.
طرقًا بلا علامات.
جسورًا اختفت.
ومخازن لم يبق فيها شيء.
كلما تقدم الجيش، قلَّ طعامه.
وكلما عاد، وجد أن خلفه قد تغير.
قال قائد السيف:
"نحن نحارب الأشباح!"
فأجابه أحد جنوده:
"لا يا سيدي...
نحن نحارب أرضًا لا تريدنا."
الفصل السادس: التحالف الكبير
بعد عام من الحرب، لم تنتصر مملكة.
لكن الممالك الأربع خسرت الكثير.
عندها حدث ما لم يتوقعه أحد.
اجتمع ملك الدينار وملك السيف وملكة الكأس وزعيم العصا في قاعة واحدة.
وضعت الأوراق الأربعون على الطاولة.
كانت الأوراق مختلطة.
لم تعد هناك مملكة منفصلة.
دينار بجانب سيف.
كأس بجانب عصا.
وكانت الرسالة واضحة:
لا أحد يستطيع أن يحكم الأرض وحده.
لكن الطمع كان أقوى من الحكمة.
قال ملك الدينار:
"لنقسم الأرض."
قال ملك السيف:
"بل نقسمها بعد أن أحصل على نصفها."
قالت ملكة الكأس:
"بل نؤجل التقسيم."
أما زعيم العصا فلم يقل شيئًا.
كان ينظر إلى الأوراق.
ثم ابتسم.
الفصل السابع: الورقة الأخيرة
في منتصف الليل، اختفت سبع أوراق.
اتهم السيف الكأس.
اتهمت الكأس الدينار.
اتهم الدينار العصا.
وفي الصباح، كانت الجيوش تتحرك من جديد.
لكن الحقيقة كانت أكثر رعبًا.
لم تسرق أي مملكة الأوراق.
الأوراق اختارت أن تتفرق.
فقد اكتشف زعيم العصا أن النبوءة لم تكن تقول:
"من يجمع الأربعين يحكم الأرض.
بل كانت تقول:
"من يعتقد أنه يستطيع جمع الأربعين وحده، سيخسرها كلها."
في اليوم التالي، اندلعت أكبر حرب عرفتها القارة.
الدينار موّل السيف.
السيف حاصر الكأس.
الكأس أغرى قادة الدينار.
والعصا انتظرت.
كان الجميع يضرب الجميع.
حتى لم يبقَ منتصر.
النهاية: لعبة لم تنتهِ
بعد عشرين عامًا، جلس أربعة أطفال في قاعة القصر القديم.
كان أمامهم صندوق خشبي.
فتح أحدهم الصندوق.
فوجد أربعين ورقة.
رفع الطفل الأول دينارًا.
قال:
"أنا سأصبح ملكًا."
رفع الثاني كأسًا.
قال:
"أنا سأجعلهم يحتاجون
وظهرها إليّ. فأقترب منها وأقول: «زوجتي...» لا جواب. أقول: «ملكة قلبي...» فتقول: «نم!»
(يضحك.)
وبعد ثلاثين سنة، لم تعد تدير ظهرها. كانت تنظر إليّ مباشرة وتقول: «أنت مزعج حتى وأنت نائم.»
(يضحك.)
يا أنيس... لا تضحك. أعرف أنك كنت تستمتع بمشاكلنا. كنت تأتي وتجلس بيننا وكأنك قاضٍ. هي من جهة، وأنا من جهة، وأنت في الوسط. وكانت تقول: «اسأل الكلب، هو أعقل منك.»
(يتظاهر بأنه يرد عليها.)
وكنت أقول: «الكلب لي.» فتقول: «لا، هو له حق الاختيار.»
(يصمت.)
ربما كانت محقة. الإضاءة تتغير ببطء من دفء الذكرى إلى برودة الحاضر. في آخر سنواتنا لم نعد نتشاجر كثيرًا. وهذا كان أسوأ. لأن كثرة الشجار تعني أن هناك شيئًا لا يزال حيًا. أما الصمت... فكان يعني أن كل واحد منا بدأ يرحل قبل أن يخرج من البيت. ثم رحلت هي. لم تأخذ شيئًا. لا الذهب... ولا الأثاث... ولا الصور. أخذت فقط حقيبتها ومفاتيحها. وتركتني أمام هذا البيت.
(ينظر إلى الفراغ.)
وتركتك أنت. أو ربما... تركتني لك. صمت.
قل لي يا أنيس... هل كنت تعرف؟ هل كنت تعرف أنني سأحتاج إليك أكثر بعد رحيلها؟
(يصغي.)
ماذا؟ لا أفهم. ارفع صوتك.
(يصغي مرة أخرى، ثم يبتسم.)
نعم... نعم، أعرف. أنت لا تتكلم. أنا الذي أتكلم عنك. ينهض ببطء. وهذا هو الشيء الغريب. كلما كبرت، بدأت أتحدث معك أكثر. وكلما تحدثت معك أكثر، بدأت أسمعك أكثر. أحيانًا أراك أمامي. وأحيانًا...
(ينظر إلى المكان الفارغ.)
لا أراك إطلاقًا.
صمت.
لكنني أشعر بك. وهذا يكفيني. يتقدم نحو الجمهور. أيها الناس... هل تعرفون معنى أن يصبح الكلب أوفى من البشر؟ أن تجلس في الليل، فلا تسمع إلا أنفاسه؟
أن تفتح عينيك في الظلام، فتتخيل عينين تلمعان أمامك وكأنهما تقولان: «لن أتركك.»
الكلب لا يهاجر. لا يتزوج ويتركك. لا يبيع عقله لمؤسسة. لا يغلق الباب خلفه ويقول: «سأتصل بك لاحقًا.» الكلب يبقى. صمت. يبقى حتى النهاية. يتوقف. ثم ينظر إلى المكان الفارغ بجانبه.
أليس كذلك يا أنيس؟
صمت.
المدير ينتظر جوابًا.
لا يأتي شيء.
يبتسم ابتسامة متعبة.
المدير: بالطبع... ستقول إنني أبالغ. دائمًا تقول ذلك بعينيك. يعود إلى كرسيه. يجلس. لكن هناك سؤالًا أخاف منه. صمت. ماذا لو متُّ فجأة؟
الإضاءة تنخفض .
ماذا ستفعل؟
ستنتظر عند الباب؟
ستسمع سيارة فتنهض؟
ستنظر إلى الباب كلما تحرك المفتاح في الجيران؟
ستنتظرني يومًا... يومين... أسبوعًا؟
يتنفس بعمق.
وستكتشف، بعد وقت طويل، أنني لن أعود. صمت طويل. وهنا...
(ينظر إلى المكان الفارغ.)
هنا فقط سأعرف إن كنتَ موجودًا حقًا...
أم أنني كنت أحتاج إلى أن أصدق أنك موجود. يقترب من المكان الذي يفترض أن يكون فيه أنيس.
ينحني قليلًا، كأنه يلمس رأسه.
لا ترحل قبلي يا أنيس.
صمت.
لا تفعلها أنت أيضًا.
إظلام تدريجي.
في الظلام،
يعود صوت أنفاس الكلب. هذه المرة أقرب. ثم يتوقف فجأة. صمت تام.
صوت المدير من الظلام،
أنيس؟ لا جواب.
أنيس؟
إظلام كامل.
الستارة
نهاية
