الأسطورة في "هاء وأسفار عشتار" لعزّ الدّين جلاوجي" أسماء المصفار



ضجَّ المتن الروائيّ في "هاء وأسفار عشتار" للكاتب الجزائريّ "عزّ الدّين جلاوجي"، بالأسطورة في رمزيّاتها المُختلفة والمُتعدِّدة. ورغم اختلاف هذه الرّمزيّات وتعدُّدها، إلّا أنّ الكاتب جعلَها تصُبُّ في منحى واحد للتّعبير عن موقف وُجُوديّ واحد يُعدُّ قُطب الرّحى في الرواية والذي انبنَى على رفض كلّ أشكال العبوديّة والدّعوة إلى ضَرورة استشعار الذات الإنسانيّة لقيمة الحُرّية. 

وقد جعَل الكاتب، بمُقتضَى هذا الموقف الوُجُوديّ، المتن الحكائيّ في الرواية مبنيّا على سلسلة من الرّحلات والأسفار، تحُفُّ بها الرغبة في استشعار الحُريّة من كلّ جانب في كلّ مكان وفي كُلّ زمان.

فطرَح مسائل تحملُها أجواء مُوغِلة في القلَق الوجوديّ من قَبيل استشعار القهر من الأنظمة المُستبدّة والدعوة إلى البعث والثّورة وضَرورة سَلك سُبُل استشعار الحُريّة. فعمَد إلى توظيف أسطورة سيزيف اليونانيّة، للتّعبير عن العبثيّة والمُعاناة التي تتكبَّدها الذات الإنسانيّة في مساراتها الحياتيّة بظُروفها المُختلفة. وهي الدّلالات التي اختزَلَها في قَوله التّالي: "صُخور سيزيفيّة فرضُوها علينا ليحكُموا علينا بالعبوديّة، وبالشّقاء الأبديّ، بعد أن أساغُوها بتوابل مُختلفة الألوان والأذواق، لذا يجب أن تستمرّ معركتنا للعودة بالإنسان إلى حُريّة الفطرة، لسنا بحاجة إلى كلّ ما تراكم علينا من طمي العبوديّة، (...) صنعت أسلحة الدّمار الشّامل".

مثلما ركَّز على "أسطورة عشتار" التي بدَت معالمُها جليّة في مواضع كثيرة من الرواية في "أسفار المَسخ". فعشتار، هي أسطورة بابليّة ترمز إلى إله الحرب عند البابليّين، عُرِفت بـ:" عشتروت" عند الفينيقيّين و"أفروديت" عند اليونان و" فينوس" عند الرومان، سلاحُها السّيف والصَّولجان ذُو الرّأسَين. وقد حظيَت بمكانة تقول بقداستها عند مُعظم الشُّعوب وهو ما جعَلها تُعدُّ في نظَرهم، مصدر عبادة وتبرُّك. وقد استنجَدَت بها الشّخصيّة البطلة في الرواية لكي تُخلِّصَها من الواقع الإنسانيّ المُظلِم المُقيِّد للحُريّات والمَحكُوم بالعبوديّة من كلّ الجهات. فقد التمَس منها البطل، النّجدة والإنقاذ من الواقع المُظلم والأسوار المُقيِّدة للحُرّيات وذلك بتحويله إلى عالَم الحيوان، نظرًا إلى ما لقيَه في عالم الإنسان من تعقيدات وقيود. وقد حمَّلها البطل آماله وآلامه، فبدَا في حالة استنجاد بها ليُعبِّرَ عن حاجة الإنسان المُعاصر إلى مُعجِزة تنفُث في واقعه رُوح البعث والتّجدُّد والنّهوض من وسط الرّكام. وهو في هذه الحال، ينقل واقع الحياة المُعاصرة المبنيّ على صدمة الانكسارات والتّناقضات والفوضى الوُجُوديّة. وقد جعَلَ جلاوجي هذا الواقع يتوارى خلف ظلال الأسطورة التي شغَلت مكانة مُهمّة في القرن العشرين في مجال الأدب ممّا جعَل مُعظم الأُدباء المُحدَثين يستفيدون منها، باعتبارها مرجعا ثقافيّا له دلالات رمزيّة عميقة. 

وهو ما يؤكِّد أنّ بعض الأساطير تحمل بالفعل لأبطالها عُنق الرّمز في الانتصار على ما يُضايِق الإنسان ويغلّ قواه ويحُدُّ من قُدُراته، بينما تحمل بعض الأساطير الأخرى تمجيدا لأعمال الإنسان القويّ، مُتخيّلة في منطقها ومُكثَّفة إلى بُؤرة تتجمّع حولها كلّ ملامح العظَمة المُترسِّبة في نفس الإنسان في بحثه عن الخلود واستشعار قيمة الحريّة وبقاء الصّيت. 

وقد جعَل الكاتب في مواضِع كثيرة من الرواية، علاقة البطل بعشتار تقوم على الصِّراع وفَرض السّيطرة، نظَرا إلى رغبة البطل في العودة إلى العالَم الإنسانيّ بعد اكتشافه أن لا فرق بين العالَمين بعد تحوُّله إلى ذئب بفِعل عشتار. وهي علاقة تجمع في جانب كبير منها بين الأسطورتَين "عشتار" و"جلجامش". 

فأسطورة جلجامش، هي أسطورة سُومريّة، ترمز إلى سَعي الذات الإنسانيّة إلى تحقيق الخلود. وقد ربَط الكاتب بين أسطورة عشتار وأسطورة جلجامش في "هاء وأسفار عشتار" للتّدليل على حاجة الذات الإنسانيّة لتَخَطِّي حدودها في البقاء المُطلَق والحُرّيّة المُطلَقة والاندماج المُطلَق مع الطّبيعة ومع القُوى العُليا المُطلَقة والبحث عمّا هو أبديّ من حُرّيّة ووُجود وكمال. علاوة على نقَل الكاتب لأجواء الصّراع القائمة بين الأسطورتَين ليُعبِّر عن علاقة الحُبّ والرفض بينهما والتي آلَت في النّهاية إلى العداوة والفناء بمَوت جلجامش. فجعلَهُما يرمزان إلى القُوّة العُظمى وتمرُّد الإنسان على كُلّ ما يُكبِّل حُريّته ويُقيِّد رغباته ويحُدُّ وُجُوده. وقد عمَّق الكاتب في التّصريح في مواضع كثيرة من الرواية، عن رغبته في التّوحُّد والالتحام مع الطّبيعة والوحدة مع الآخر وهو ما يعكس تعلُّقَه بالطّبيعة والخلود والحُريّة والإقرار بترصُّد ثُنائيّة العبوديّة والحُريّة لعالَم الذات الإنسانيّة التي تقول حقيقتها بأنَّها ذات محدودة أنطولوجيّا، مُتّجِهة نحو العدَم والمحدود واللّا شيء. وهُنا، يُلقي الكاتب الضَّوء على علاقة الذات الإنسانيّة بوجودها وإنسانيّتها. ويُعبِّر عن إدراك هشاشة الوجود الإنسانيّ وحتميّة الفناء ورَصد حقيقة مفادُها أنّ الذات الإنسانيّة مُحاطة بمجموعة من الثُّنائيّات التي تتحكّم في وجودها من قَبيل الحياة والموت والوجود والفناء والحضور والغياب والشّيء واللّا شيء.

وهو ما أكَّده الكاتب من خلال جَعلِه للشّخصيّة الروائيّة مُدرِكةً، أنّ الخلود لا يكون بفِعل الحضور الجسديّ وإنّما من خلال الاستشعار الروحيّ. وقد أشار الكاتب أيضا، إلى أنّ استشعار الحُبّ الحقيقيّ يمكن أن يُحرِّرنا ويمكن بمُقتضَاه أن نُحقِّقَ الخلود رُوحيّا وهي السِّمَة التي حظِيَ بها البطل في الرواية رفقة حبيبته التي يَدعُوها بالطّفلة المُدلَّلة والتي كانت أداة يُحقِّق من خلالها الحُريّة والخلود، حيث مثَّلَت مصدرا لالتحام الذّاتَين وانحلال الذات في الأخرى.

ولعلّ في إشارة الكاتب إلى هذه المعاني، تركيز على ما تبُثُّه أسطورة برومثيوس الإغريقيّة من دلالات رمزيّة مُتعلِّقة بتحرُّر الإنسان من القيود والتّعاطُف العميق مع كلّ القضايا الإنسانيّة. 

وهي الرمزيّات التي أراد الكاتب طرحَها، حيث يعمدُ إلى تقديس إنسانيّة الإنسان بتخليصه من الجهل والعبوديّة والخروج به من عالم الظُّلمات إلى عالم النُّور.

ومن هنا نستنتج أنّ الأسلوب التّعبيريّ القائم على توظيف الأسطورة في "هاء وأسفار عشتار" لعزّ الدّين جلاوجي، يهدف إلى فتح دروب الحُرّيّة من قَبيل فعل الاختيار والولوج في عالم المجهول واستشعار لذَّة الوجود. وقد أتاح هذا الأسلوب نُشُوء تجريب إبداعيّ روائيّ يكشف المُتحجِّب ويُجلِي بُؤرة التّوتّر الحيّ دوما للأسئلة اللّا مُتناهية التي تُثبت جوهر الديناميكيّة الفاعلة في الإنسان. ذلك ما يدعُونا إلى القول بأنّ جلاوجي قد حوَّل الأسطورة في روايته إلى أداة تعبيريّة قائمة على الحلم والحقيقة في الوقت نفسه، وهي سِمَة مُغايرة لمَا ساد في الرواية الكلاسيكيّة التي انبَنَت علاقتها بالأسطورة على الوهم والتّخييل واللّا معقول. ذلك ما جعَل طبيعة الكتابة في رواية "هاء وأسفار عشتار" لعزّ الدّين جلاوجي، تَشِي بالتّجريب والأَسطرة والخَلق والإبداع.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology