بقلم الكتابة الصحفية/سهام فودة
في بعض العلاقات، لا تُدفَع الفاتورة عند الرحيل، بل تُدفَع كل يوم في صورة تنازل صغير، وحقٍّ نؤجله، ووجعٍ نبتلعه، حتى يأتي اليوم الذي نكتشف فيه أننا دفعنا أنفسنا ثمنًا لبقاء الآخرين!
المفارقة أن بعض الناس لا يخسرون من أحبوا لأنهم قصّروا في حقهم، بل لأنهم بالغوا في منحهم حتى اختلّ ميزان العلاقة. أعطوا بلا حدود، وسامحوا بلا عتاب، وحضروا كلما ناداهم أحد، حتى صار وجودهم مضمونًا، وأصبح غيابهم وحده هو الحدث الذي يستحق الانتباه.
نحن لا نتعب دائمًا من قلة الحب، بل أحيانًا من الطريقة التي نحاول بها ضمانه. نظن أن التنازل يقرّب المسافات، وأن الموافقة تمنع الخلاف، وأن تلبية كل طلب تحفظ الود، فنحوّل المحبة من مساحة للراحة إلى امتحان لا تنتهي أسئلته. والأسوأ أننا نعلّم الآخرين، دون أن نشعر، أن احتياجاتهم مقدّمة دائمًا على احتياجاتنا.
ثم نُفاجأ حين نرفض طلبًا للمرة الأولى، فنُتَّهم بالتغير! كأن كل ما قدمناه من قبل لم يكن كافيًا، وكأن من اعتاد أن يأخذ لا يرى في توقف العطاء حقًّا لنا، بل خسارةً لامتيازٍ كان يظنه دائمًا من نصيبه.
وهنا تنكشف حقيقة لا نحب مواجهتها: ليس كل من اعتاد وجودك يعرف قيمتك، وليس كل من استفاد من طيبتك أدرك ثمنها. فهناك من يحبك، وهناك من يحب ما توفره له، ولا يظهر الفرق بين الاثنين إلا حين تعجز عن العطاء أو تختار ألا تمنح.
ومع ذلك، ليست كل الحكايات متشابهة، فهناك أناس لا يستغلون طيبة من يحبونهم، ولا يقيسون المحبة بمقدار ما يحصلون عليه، بل يردّون الود وفاءً، ويحفظون المعروف حتى بعد انقضاء أسبابه. هناك من يلاحظ تعبك قبل أن تتكلم، ويقدّر اعتذارك حين تعجز، ولا يجعل من عطائك حقًّا مكتسبًا. فالمشكلة ليست في كثرة العطاء، ولا في أن نمنح من قلوبنا بسخاء، وإنما في أن نضع هذا السخاء حيث لا يُصان. فما زالت هناك علاقات يكون فيها البذل متبادلًا، والتنازل تفاهمًا لا استنزافًا، والمحبة مساحة يتسع فيها الطرفان دون أن يختفي أحدهما من أجل الآخر.
وليس الحل أن نقسو، أو نحسب كل معروف، أو نتعامل مع المحبة بمنطق الربح والخسارة؛ فذلك لا يصنع علاقات إنسانية، بل صفقات باردة. الحل أن نمنح باختيارنا لا بخوفنا، وأن نساعد دون أن نهدم استقرارنا، وأن نفهم أن الاعتذار عن أمر لا نستطيعه ليس جحودًا، وأن الحفاظ على حقوقنا لا ينتقص من نبلنا.
فالعلاقة التي لا تحتمل كلمة «لا» من وقت إلى آخر، كيف تحتمل اختلاف الطباع، وتقلب الأيام، وضغوط الحياة؟ وأي محبة تلك التي لا تطمئن إلا حين يكون أحد الطرفين مستعدًا للتنازل في كل مرة؟
لا أحد مطالب بأن يخسر نفسه كي يثبت وفاءه، ولا أن يستنزف قلبه ليبرهن على طيبته. فالعطاء الجميل هو الذي يترك في النفس سعة، لا مرارة؛ والذي يمنح الآخر دفئًا دون أن يطفئ صاحبه.
وقد يكون أصعب ما نتعلمه مع الوقت أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى مزيد من التضحيات، بل إلى إعادة النظر في الطريقة التي نمنح بها أنفسنا للآخرين. فليس كل انسحاب هزيمة، وليس كل بقاء انتصارًا، وأحيانًا يكون التوقف عن دفع الفاتورة هو اللحظة الأولى التي نعرف فيها حقيقة ما كنا نشتريه.
ومع ذلك، ليست كل الحكايات متشابهة، فهناك من يختلف عن ذلك تمامًا؛ أناسٌ لا يستغلون طيبة من يحبونهم، ولا يقيسون المحبة بمقدار ما يحصلون عليه، بل يردّون الودّ وفاءً، ويحفظون المعروف حتى بعد انقضاء أسبابه. هناك من يلاحظ تعبك قبل أن تتكلم، ويقدّر اعتذارك حين تعجز، ولا يجعل من عطائك حقًا مكتسبًا. فالمشكلة ليست في كثرة العطاء، ولا في أن نمنح من قلوبنا بسخاء، وإنما في أن نضع هذا السخاء حيث لا يُصان. فما زالت هناك علاقات يكون فيها البذل متبادلًا، والتنازل تفاهمًا لا استنزافًا، والمحبة مساحة يتسع فيها الطرفان دون أن يختفي أحدهما من أجل الآخر.
فلا تجعل ثمن الود أن تدفع من روحك كل يوم، ثم تكتشف عند الرحيل أنك كنت وحدك من يسدد الفاتورة.
