حسين الاعرجي مسؤول نادي السرد في إتحاد أدباء وكتاب بابل.
لقد قرأت وأنتم للكاتب الروسي الكبير( تشيخوف ) وأحيانا نعتقد أنه لا يتكرر، بسبب تلك البساطة في التناول العميق للمحتوى المتفجر ، أستطيع أن أقول : كأن تشيخوف يغرف من ماء بحر يمر من أمامه، البحر المرعب يتحول في كفه الى ( حفنة ماء ) نرتوي منها ، نغتسل ، وبعضها للوضوء ، كي يسمو كما الغيوم الى السماء ، تتكثف فيمطر، قصة قصيرة رائعة ، كقطرات المطر ، تغسل وجه الارض . وعرض مسرحي ، للكاتبة الرائعة والمتميزة فرح تركي، قصة هي نسل السرد التشيخوفي الذي لا يتكرر ،وتكرر فجاء بلسان بطل قصة ( عرض مسرحي ) .( المعهد الذي تخرج فيه يقدم دعوة لي للحضور ...) .بمعنى بطاقة دعوة، مثل أية دعوة أخرى ، غير أنك تتلمس ، ومنذ انطلاق شحنة السرد ، ان مايختفي ، أو ان مابين السطور ستكون المفاجئة .وبسرد شفيف ، أنيق ، وبتكثيف عال ينمو الحدث السردي ، بخطين متوازيين ، فالكاتبة تستذكر ، على لسان بطل القصة ، بضمير المتكلم ، وبلمحة سريعة المعهد الذي تخرج فيه، غير أنه يعمل في مجال أخر ، وقد هجر او ترك كل جمالية المعهد، كما ان الاستذكار اللحظوي يدفعه للمرور بشريط من الذاكرة القديمة لتلك القرية التي ولد فيها ، ثم تركها ، وهاجر ، وراح، يتخيل لون وشكل تلك الخوالي من الأيام .الكاتبة فرح تركي، تشير الى ان تنامي شخصية البطل ، وتشكلاته الأولى ، كانت هكذا ، ولكن بطريقة سردية عميقة وتشبه لحد كبير رجل بيده مسبحة من عقيق ، يسحب حباتها ببطء شديد ،ويستمع لتساقط الحبات على بعضها ، بذلك الصوت الذي يربط مابين الماضي والحاضر ، على الرغم من عدد حبات المسبحة ليس بكثير ، بل هو أقل من القليل ، ( مسبحة مكثفة جدا ، غالية الثمن ) . يدخل المسرح ، بطل القصة، مكانه في الصف الرابع ...الى اليمين ، الصف الرابع ، او الخط أو الرقم الرابع يدل على الأستقامة ، حيث ان المنضدة أو الكرسي الذي يستند على أربعة أرجل ، هو الدليل على الثبات والأستقامة ، والممثل المسرحي ، أو المسرح بشكل عام ، هو الدعامة المجتمعية في كل زمان ومكان، والى جهة اليمين ، ودلالتها المعروفة هي المحافظة والالتزام ، والثوابت ، كانت الكاتبة تضع الكلمة الواحدة في مكانها تماما ، وان أهم ما في النص القصصي ، هو ان تكون لكل كلمة ماتدل عليه ، وحذف كل كلمة ليس لها مبرراتها ، لهذا نجد أن التكثيف هو روح القصة القصيرة. وكانت قرب بطل القصة أسرة لا تهتم كثيرا للعرض ، ايضا هو الوصف الشعبي لمن يأتي للتسلية العابرة ، وهذا هو الواقع . ينشغل بطل القصة بهاتفه ، في اشارة الى انه لا يهتم للأخر، وبأنتظار ما سوف يعرض على خشبة المسرح ، والبطل الذي كان يشبهه تماما ، بدأت القاصة تشير الى ماترمي اليه ، من نهاية محكمة بدائرة رائعة ولقطة متميزة ، وبطل القصة لم يكن يعمل في مكان بعيد عن المسرح كما تشير القصة ، بل هو داخل المسرح ، غير أن روحه تتسامى بعيدا عندما يعيش أحد الادوار التي سيؤديها ، على خشبة المسرح. صعد الممثل ... يصفعه الاب، تصفيق، مشهد رائع فيصفق الجمهور وهنا خبرة الكاتبة في مسك كل مشاعر واحاسيس القارىء . بطل القصة يخرج بطاقة الدعوة ( الى أنا عليك الحضور لتشاهد نجاحك الذي رميته وراء تسويفك ). بطل القصة ، هو نفسه بطل المسرحية الذي يقف على خشبة المسرح. هو الذي يعيش دوره في التمثيل لدرجة أنه ينسى نفسه ، فينتمي لتلك الثيمة والفكرة التي يعبر عنها أمام الجمهور ، هي المهنية والكفاءة ، وعندما تشتبك معه كل الادوار التي يؤديها على خشبة المسرح، ناسيا روحه وذاته ، انه هو من كان قد تدرب هناك ليصل الى ماكان يتمناه . مبارك الف مبارك للكاتبة فرح تركي التي جعلتنا نفرح بها ، كاتبة متميزة.
