أنا وهم

 

أ


بقلم سليمة مالكي 

المشهد الأول


ذهب وهو يحمل أوراقًا، سلّمها للمخرج، فنظر إليه هذا الأخير بتذمّر.

ــ وأخيرًا أكملتها؟!

لتقع عيناه على العنوان، فيردّده بصوتٍ فيه نبرة استغراب:


"أنا والآخرون..."


ــ يعني كم تحتاج من الممثلين؟!

أجاب:

ــ واحد فقط.

ــ أعرف، البطل واحد، و"الآخرون" كم عددهم ؟

ــ هو واحد فقط، شخصية وحيدة...

سأترك المسرحية لك، اقرأها وستفهم.

---

             المشهد الثاني


وهو يغادر، لمح إضاءةً خافتة على المسرح؛ مصباح واحد كان يضيء مساحة الخشبة بالطول، وكرسيٌّ في الوسط.

ــ هذا تمامًا ما أحتاج إليه.

أخذ نفسًا عميقًا، وفجأة امتلأ المسرح بالمتفرجين، وارتفعت الستارة ببطء مع تصفيقٍ حارٍّ، ليبدأ العرض.

---

               المشهد الثالث (العرض)


دخل البطل بوقار، حيّا الجمهور، أغمض عينيه للحظة ليدخل بعمق الشخصية...


يتكلّم البطل وهو واقف على يسار المسرح، موجّهًا نظره إلى الكرسي في الوسط، وقد تقمّص دور:


            1 ـ الشخصية المهزومة


أتظنّ أنك محقّ بكل هذا؟!

عزلتنا عن الجميع؟! هل أنت مرتاح؟!

انتفضتَ لكرامتك وواجهتهم جميعًا بحقيقتهم، هل ارتحت؟!

ما كان يجب أن تخبرهم بكل ما عرفته عنهم وعن سوادهم...

لقد عزلوك، وأنت وحيد الآن، وهم لا زالوا عصبة.


البطل واقف ينظر إلى شخصيةٍ جالسة على كرسيٍّ في وسط المسرح، رأسُها محنيٌّ للأسفل، وعلامات الانكسار والحزن بادية عليها، ودون أن يرفع رأسه يقول:


                   2_الشخصية الثائرة


هل تلومني لأني ثُرت؟!

كسرتُ جدران الصمت والذلّ، وانتفضتُ لكرامتنا!

ألم تكونوا كلكم  متضرّرين مما يحصل؟!

كُسِرنا معًا، وبكينا معًا، وتعرّضنا للاستغلال والاحتقار والخذلان معًا.

لقد تمّ استنزافنا لسنين، فكيف تحاسبني على ردّ فعلي بعد كلّ ما تجرّعناه معًا؟!


(يرفع رأسه، ونظراته حادّة صارمة، ويقول

 بنبرةٍ أقوى وأعنف) والضاءة تصبح قوية فوقها

تماما .....


--لستُ أفهمك! أيّ منطقٍ هذا؟

أُفَضِلُ وحدتي ألف مرّة على ما كنتُ فيه!

لم أُخلق لأكون عبدًا لأحد، كتموا صوتي، وحجَروا على آرائي، ودنّسوا أفكاري بحجّة الدين والأعراف والتقاليد المدمّرة...

التعصّب وازدراء كلّ فكرةٍ لا تُشبه روتينهم 

قتلوا  فينا الروح!

فتاويهم على مقاس الحكّام، أجنداتٌ تخدم مصالحهم، وأكذوبة الوصاية للأكبر ولو كان معتوهًا!

كيف سلّمنا وسكتنا ونحن نعلم أنهم مخطئون؟!

هل تتجرّأ وتدّعي أن انتفاضتي خرّبت سلامكم؟!

هل أبيع قضيتي وأرضي وأسكت 

أيّ سلامٍ لطائرٍ منعوه من التحليق، وحبسوه داخل قفص؟!

---


            4_المشهد الرابع (النهاية)


يحتدم النقاش بين الشخصيتين 

(الثائرة والمهزومة ) لتتدخّل:


                3_الشخصية العاطفية


خلافكم هذا يُدمّر ما تبقّى مني، أنا فعلًا تضرّرت مما حصل، وثورتي لم تكن من فراغ،

ولكن خلافكم هذا يجعلني أشكّ، أندم، أتراجع خطوتين إلى الخلف...

هل كان الأمر يستحق؟!

هل تسرّعت فعلًا كما يقولون؟

هذا التمزّق بداخلي، وهذا الوجع على الأمة، هل سيزول يومًا؟

هل نحن ضعفاء إلى هذه الدرجة؟

 وهل الثورة فعلًا حلمٌ يُوأد في مهده ولا يتحقّق؟!

بدأتُ أشكّ أن حتى انتفاضتنا كانت بإيعازٍ منهم!

الخيانة نخرت الثوابت، ووصلت بنا إلى القاع، ونحن نتخبّط في الحضيض...


(ترفع الشخصية العاطفية رأسها نحو الشخصية المهزوزة، كأنها توافقها الرأي) مع إضافة خافتة جدا . 


يسود صمتٌ قاتلٌ على المسرح...

تتوجّه الإضاءة صوب:

        الشخصية الرئيسية — "البطل"

ليقول بغضب وهو يقف وسط المسرح 

--هذا تمامًا ما يريدونه: زرع الفتن، زعزعة الثقة نحن ضعفاء، فاشلون، مشتّتون.

فرّقتنا الحدود الوهمية والعادات الرجعية، خلقوا بيننا الأقليّات والطوائف، وغذّوا الصراعات والتعصّب،

زرعوا الوهم وروحوا للتفاهة أثاروا الخلافات والاختلافات باللهجات والقوانين والميول، حتى أصبحنا أغرابًا لا نجتمع على دينٍ ولا لغةٍ ولا حميّةٍ ولا نخوة،

 و حجّتهم  أن كلّ واحدٍ يحمي مصالحه!


انظروا إلى أنفسكم، حتى الجسد الواحد صار كياناتٍ تتناحر!

مشكلتنا ليست في لمَ رضينا بالذلّ، ولا في لمَ ثُرنا أو سكتنا، ولا في مَن يتحمّل تبعات ثورتنا

 أو أعباء رضوخنا ...؟ 

المشكلة أننا جسدٌ واحد، نجوع معًا، ونثور معًا، ونتحمّل معًا نتائج وأوزار قراراتنا معًا!

المشكلة أننا نسينا أننا واحد، وتشتّتنا يوم تركنا ظهورنا مكشوفةً للعدو، ووضعنا يدنا بيده،

فصارت طعناتنا تغيّر وجهتها إلى الداخل...


ما كاد البطل  يُنهي كلماته حتى سمع الجمهور صوتَ رصاصةِ قنّاصٍ دقيقة أصابت الهدف في مقتل...

ليقع شهيدًا للكلمة الحرة.


 و ينزل الستار

                      النهاية.



نور القمر من الجزائر

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology