بقلم الكاتبة الصحفية/سهام فودة
ليست كل الجراح
تُرى، بعضُها يُورَّث كالأمثال، يُقال على سبيل النصيحة وهو في الحقيقة حكمٌ بالإعدام المؤجل. حين تُولد البنت في بعض البيوت، لا تُستقبل كروحٍ جاءت تُكمل الحياة، بل كملفٍّ يجب إغلاقه سريعًا، كهمٍّ مؤجل، كقصة يجب أن تنتهي قبل أن تبدأ. ومنذ خطواتها الأولى، تُحاصرها عبارات تبدو عادية، لكنها محمّلة بتاريخ طويل من الخوف وسوء الفهم: “يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات”، “البنت مالهاش غير بيت جوزها”، “ضل راجل ولا ضل حيطة”… وكأن الحياة لا تمنحها إلا خيارين: الاحتماء أو السقوط.
في هذه الثقافة، لا تُربّى البنت لتكون إنسانًا كاملًا، بل مشروع زوجة مؤجل، يُجهّز على عجل، ويُسلّم في أقرب فرصة. لا أحد يسأل: ماذا تريد؟ ماذا تحب؟ كيف ترى نفسها؟ لأن السؤال في حد ذاته يُعتبر رفاهية لا تليق بمن خُلقت – في نظرهم – لتُزاح من البيت لا لتُقيم فيه.
الخوف الحقيقي هنا ليس من تأخر الزواج، بل من نظرة المجتمع. تلك النظرة التي تحوّلت إلى سلطة أعلى من الرحمة، وأقسى من الضمير. كلمة “عانس” لا تُقال فقط، بل تُستخدم كفزّاعة تُطارد الأهل قبل البنات، تدفعهم لارتكاب أخطاء أكبر من الخوف ذاته. فيتحول الزواج من اختيار إلى صفقة، ومن شراكة إلى عملية “تسليم وتسلم”، المهم أن تُغلق الصفحة، حتى لو كُتبت نهايتها بالدموع.
وهنا تبدأ المأساة الصامتة… تُزفّ الفتاة أحيانًا قبل أن تنهي تعليمها، أو قبل أن تقف على أرضٍ صلبة، بلا عمل، بلا استقلال، بلا أي درع يحميها إن انكسرت. تدخل بيتًا جديدًا وهي لا تملك حتى حق العودة. تُهان؟ تتحمل. تُظلم؟ تصمت. تُكسر؟ تُجبِر نفسها على التماسك. ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها تعرف أن البديل أقسى… الشارع، أو باب بيتٍ أُغلق في وجهها بحجة “إنتِ اللي خربتي بيتك”.
والأقسى من ذلك، أن المجتمع نفسه الذي دفعها للزواج بأي ثمن، هو أول من يُدينها إن فشل. تتحول من ضحية إلى متهمة، ومن مكسورة إلى مذنبة. يُنزع عنها التعاطف، وتُحاصر بأحكام جاهزة: “ما هي أكيد غلطانة”، “ما فيش ست بيتها يخرب إلا بإيدها”… وكأن الصبر واجبٌ حتى على الإهانة، وكأن النجاة جريمة.
في العمق، نحن لا نتعامل مع مشكلة زواج مبكر فقط، بل مع بقايا ثقافة قديمة لم تمت، بل غيّرت شكلها. ثقافة الوأد لم تعد تُمارس بالجسد، بل بالاختيارات، بالفرص، بالكرامة. حين تُجبر فتاة على حياة لا تشبهها، وتُحرم من أن تبني نفسها، فهذا وأدٌ مؤجل… أكثر قسوة، لأنه يحدث وهي حيّة.
وإلى كل أسرة ما زالت تُدير حياة بناتها بعقلية الأمس، آن الأوان أن تُدركوا أن الحماية الحقيقية لا تكون بالتخلّص من المسؤولية، بل بتحمّلها حتى النهاية. غيّروا تلك الأفكار الموروثة التي أورثت الخوف بدل الأمان، وعلّمت البنات الصمت بدل القوة. البنت لا تحتاج بيت زوج بقدر ما تحتاج بيت أهل يحتضنها في كل الأحوال، لا يطردها إن تعثرت، ولا يُحمّلها ذنب اختيارات لم تُمنح حرية صنعها. ربّوا بناتكم على الاستقلال لا الاتكال، على الكرامة لا الاحتمال، وكونوا أنتم السند الأول لا الباب الذي يُغلق في وجهها. فالعائلة الحقيقية ليست التي تُسرع بتسليم ابنتها، بل التي تبقى ظهرها الثابت مهما تغيّرت الظروف، وتفهم أن أعظم استثمار ليس تزويجها… بل تمكينها.
والحقيقة التي نحاول تجاهلها، أن البنت ليست عبئًا، بل إنسان كامل له حق أن يُختار لا أن يُباع، أن يُصان لا أن يُسلَّم، أن يُدعَم لا أن يُدفع. الزواج ليس مخرجًا من مأزق، بل خطوة في طريق، وإن لم تكن الفتاة قادرة على السير وحدها، فلن تُنقذها يدٌ أُمسكت بها على عجل.
ليس العيب أن تبقى البنت في بيت أهلها، العيب أن تشعر فيه أنها ضيفة مؤقتة. ليس الخطر في تأخر الزواج، بل في استعجاله دون وعي. وليس الحرام أن تعيش بكرامة، بل أن تُجبر على حياة تُهينها باسم الستر.
ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الراحة… ليست في “تجويز البنات” سريعًا، بل في الاطمئنان أنهن قادرات على الحياة، أيًا كان الطريق الذي يخترنه. وأن البيت الحقيقي، ليس بيت الزوج فقط، بل كل مكان تشعر فيه المرأة أنها آمنة… غير مُهددة، وغير مُدانة، وغير مُجبرة على أن تدفع ثمن كونها وُلدت بنتًا.
