‏قراءة في رواية (عروس السراديب) للروائية عبير العطار.

 ‏


‏بقلم الكاتبة دينا العزة

‏حين يصبح الحب أثرا جامحاً والإنسان سردابا مثيرا للاكتشاف، وحين نعلن عالم الرواية نصطدم بعنوان لافت للغاية يجعل القارئ حائراً ما بين الحياة والموت بينهما برزخ صنعته الاستعارات وهو المدخل الروائي لدى عبير العطار، فلا يمكن قراءة (عروس السراديب)  كـ رواية  لعشق تاريخي أو اجتماعي فحسب، بل هي نص مركّب، يعمل على مستويات متعددة من الوعي: التاريخي، والرمزي، والنفسي، والأنثروبولوجي.

‏ هنا تضعنا عبير العطار أمام مفارقة ذات مدلولات عميقة فالعروس رمز الحياة والاكتمال والانتقال والولادة والوعي المتعارف عليه كـ اظهار الشيء بالشيء، فكيف لها ..؟

‏ أن تقترن بـ السراديب رمز العتمة، وما يدفن تحت الوعي.

‏فعملت الروائية إعلان صارخ منذ بداية الرواية وجب به التوقف وتفكيك العلاقة بين الحياة والموت، الحب والفقد، الجسد والذاكرة.

‏السرداب هنا ليس مكانا أثريا قديما يأخذك لحضارة ما فقط، بل بنية نفسية مقامة على مدلولاته، وكنزا يُدفن به الأسرار سواء الفردية أو الاجتماعية، حيث تُدفن الرغبات المكبوتة، وتُعاد صياغة الأساطير، ويُختبر الإنسان في لحظته الأكثر هشاشة.

‏هكذا يتحول النص إلى رحلة نزوح لكن ليس إجباري وإنما متدرج في متاهات الذات، على نحو يذكّر بطقوس العبور في الحضارات القديمة.

‏وحين نذكر الحب تعلق في أذهاننا علامات فارقة مرتبطه بأسماء وعصور وهذا يعني أساطير مجبولة بـ التاريخ، فتستند الرواية إلى قصة إيزادورا التاريخية، لكنها لا تتعامل معها كوقائع متجذرة مغروسة في الثبات، بل كـ مادة تخيلية مفتوحة الأذرع لمعرفة إلى أي مدى نستطيع أن نقاوم وأن نحظى بمخاطر عظيمة عندما يعترينا  الحب ؟

‏فـ العلاقة بين إيزادورا، ابنة الحاكم، وحابي، الجندي الفلاح، تُبنى على تضاد طبقي واضح وفروقات تُدق لها طبول الحرب، لكن هذا كله ليس إلا مدخلا لما هو أعمق حين نطرح سؤالا عن العشق الذي يخلو من السذاجة فلسنا أمام حالة رومانسية اعتيادية، نحن أمام عشق محفوف بالمخاطر، يكسر التضاد الطبقي الاجتماعي السياسي الراسخ في كل حضارة، فـ هل الحب مقاومة ومجازفة كبرى؟

‏ إيزادورا هنا لا تحب حابي لأنه يشبهها، بل لأنه نقيض عالمها المترف بـ القصور والسلطة والرقابة والبتروكولات.

‏أما حابي فلا يرى امتيازها طبقتها المخملية، بل يعري كل مادة وسلطة، ويتجرد من المصلحة فلا يرى سوى إنسانيتها، ولهذا يتحول الحب إلى مساحة تحرر مؤقتة، سرعان ما تُحاصرها السلطة.

‏ الكاتبة هنا كانت قد وضعت لافتة تختبر بها الأبطال لهذه الرواية فلا تقدّم الحب كخلاص نهائي، بل كـ اختبار لنكون أو لا نكون، حالة الحب هنا لا تنقذ أبطالها، بل تشهر سيوف الفضيحة أمام مجتمع مختلف الطبقات والأفكار والمصالح، هنا تبدأ المعركة الحقيقية ويتحول الحب إلى قربان لأجل التضحيةوهذا عادة ما يرافق الأساطير والتاريخ وهكذا أكدت الروائية على نسق الرواية بما ينسجم مع البنية الطقسية التي تحكم الأحداث.

‏عروسنا هنا والسراديب التي رسمت منذ أن وجدت الخبايا وتمددت جذور السلطة وتسلطت الأضواء على جسد الحقيقة، أظهرت وعي حاد على علاقة الجسد بالسلطة. 

‏جسد إيزادورا ساحة صراع بين الأب، المجتمع، والتقاليد، ملكيته خاضعة للسلطة، وحين تحب، فإنها تمارس أول فعل سيادي على جسدها وروحها، لهذا عقابها يأتي قاسيا، ليس لأنها أحبت، بل لأنها اختارت.

‏في المقابل، جسد حابي هو جسد مستباح تاريخيا كـ عامل وفلاح وجندي لا يُسمح له بالاقتراب من المقدّسات العُليا، الرؤوس لا تتساوى ومن هنا فإن العلاقة بينهما اختراق لحدود غير مرئية إنما فرض طبقي رسمته السلطة عبر التاريخ.

‏تعتبر الأديبة عبير هنا قد أحسنت توظيف البعد الطبقي باستخدام خطابية غير مباشرة؛ فلا قوانين صريحة لإظهار الرقابة، فتارة همساً أو وشاية، وتارة نظرات النسوة وخوف الأب من “الفضيحة”، لذا تجلّت براعة النص في تصوير القمع بوصفه يدا اجتماعية متغلغلة تقتل القرارات الفردية. 

‏ (عروس السراديب)  هي ربط بين الماضي والحاضر دون افتعال، فشخصيات مثل (هبة وسهاد)  لا تأتي بوصفها خطوطا موازية، بل كامتداد روائي حقيقي للمأساة القديمة، فالسراديب لا تُغلق، بل تغيّرت كـ امتداد معاصر  بأشكال جديدة. 

‏يتجلى ذلك في شخصية (هبة)  الباحثة عن الأمومة، تدور في طقوس معاصرة لا تقل قسوة عن الطقوس القديمة؛ و (سهاد)  المحاصَرة بزواج عنيف، تعيش شكلًا حديثًا من السجن الاجتماعي. كلتاهما تؤكدان فكرة مركزية في الرواية:

‏أن التاريخ لا يُعاد، بل يُستأنف بأقنعة مختلفة.

‏المرأة في الرواية، عبر العصور، هي الأولى في صراع الفقد والتضحية، والذاكرة والانتظار، وبالرغم من هذه الأوجاع لا تستلم تبقى تقاوم رغم استسلامها الظاهري، هذا الوعي النسوي في النص لا يأتي عبثاً بل من تجربة معيشة، وهو ما يمنحه صدق وقوة.

‏أما لغة عبير العطار في (عروس السراديب)  فهي تتنفس التاريخ والأسطورة لذا منحت الرواية لغة كثيفة الإيحاء في مرماها أجادت توصيل الرسالة المبتغاة، وأضافت الروح الشعرية دون أن تمس بتماسك السرد، وجعلت للجمل دلالات واحتمالات مختلفة، كما أبدعت باستخدام المعجم التاريخي والديني دون افتعال وباعتدال، واستخدامت الإيقاع البطيء في المقاطع التأملية، وجعلت السرد الصادم سريع الإيقاع، مما يمنح النص نفسا سينمائيا واضحا، أما التناص مع الأسطورة المصرية القديمة والطقوس الجنائزية يمنح الرواية عمقا حضاريا يجعلها تتجاوز حدود الحكاية المحلية.

‏(عروس السراديب)  ليست رواية عن الموت، بل عن استحالة دفن المعنى. 

‏ العروس لا تدفن مهما أُغلقت عليها السراديب، تعود في هيئة أو أثر أو ذاكرة جماعية أخرى.

‏ 

‏تشير الروائية هنا إلى أننا نعيش في حلقات مغلقة تتكرر عبر التاريخ، وإن ما لم يُحلّ في الماضي سيعود بصيغة أخرى، فالمعادلة هنا أنّ السراديب الحقيقية ليست تحت الأرض، بل في النفوس التي لم تتحرر بعد.

‏الرواية في جوهرها دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالتاريخ، بالحب، وبالسلطة التي تتحكم في مصائر الأفراد باسم النظام.




إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology