بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
ليست النجاة أن نخرج
من التجربة سالمين بلا خدوش، بل أن نخرج منها ونحن نعرف كيف نضمّد أرواحنا بأيدينا، ونواصل السير رغم الوجع العالق في الذاكرة. كل يوم ننجو فيه من تجربة آذتنا هو خطوة صغيرة على طريق التعافي، حتى وإن ظلت أرواحنا المتعبة معلّقة عند حافة ما حدث، تنظر خلفها أكثر مما تنظر إلى الأمام.
نظن أحيانًا أننا عدنا إلى النقطة الأولى، وأننا ما زلنا نصارع الموج ذاته، ونبتلع الملح ذاته، ونرتجف من الريح ذاتها. لكن الحقيقة أننا لم نعد كما كنّا. نحن الآن أكثر وعيًا بالتيارات الخفية، أكثر حذرًا من العواصف المفاجئة، وأكثر قدرة على التوازن فوق مياه الحياة المتقلبة. نحن نوارس تعلّمت أن تفرد أجنحتها حتى وهي متعبة، وأن تحلّق رغم الريح، لا انتظارًا لبحر هادئ، بل إيمانًا بأن الطيران نفسه نجاة.
النجاة ليست في غياب الألم، ولا في نسيانه، ولا في محوه من دفاتر القلب. النجاة أن نقبل وجوده دون أن نسمح له أن يحكم أعمارنا، وأن نحمله معنا كأثر لا كقيد، وكذكرى لا كسجن. أن نواصل الحياة بالتجربة التي آذتنا، لا هربًا منها، بل عبورًا فوقها.
ننجو حين نمنح أنفسنا فرصة جديدة للفهم، ونفتح نوافذ الروح للضوء، ونصدّق أن القلب الذي انكسر مرة يمكنه أن ينبض من جديد، بإيقاع أهدأ، وحكمة أعمق، وشجاعة لا تُرى إلا في العيون التي عرفت البكاء ثم اختارت أن تبتسم.
ننجو لأن الحياة لا تنتظر من يتوقف عند الألم طويلًا، بل تكافئ من يتعلم كيف يحوّل الجراح إلى أجنحة، والخوف إلى طريق، والوجع إلى بداية أخرى.
