كتب : محمد فتحي السباعي
ليست حادثة الإسراء والمعراج واقعةً معزولة في السيرة النبوية، ولا معجزةً خارقة أُريد بها كسر قوانين الطبيعة فحسب، بل هي بيانٌ إلهيٌّ شامل أعاد ترتيب العلاقة بين السماء والأرض، وبين النبوة والتاريخ، وبين العبادة والقيادة الحضارية. لقد جاءت الرحلة في لحظة انكسار إنسانيٍّ شديد، لتؤكد أن الرسالات لا تُقاس بما يملكه أصحابها من سلطان، بل بما يحملونه من أمانة.
الإسراء والمعراج في سياقهما التاريخي
وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن؛ العام الذي فقد فيه النبي ﷺ سنديه الأكبرين: خديجة رضي الله عنها، وأبو طالب، وتعرّض فيه لخذلانٍ اجتماعيٍّ ونفسيٍّ قاسٍ. في هذا السياق، لم تكن الرحلة هروبًا من الواقع، بل إعادة تأهيلٍ روحيٍّ للنبي ﷺ استعدادًا لمرحلة التحول الكبرى في الدعوة.
إن انتقال النبي ﷺ من مكة إلى القدس، ثم إلى السماوات العُلا، يؤكد أن:
الرسالة لا تُختصر في الجغرافيا
ولا تتوقف عند الرفض المجتمعي
ولا تُهزم حين تُحاصر
دلالة المسجد الأقصى وانتقال مركز القيادة الدينية
يُعد اختيار المسجد الأقصى محطةً مركزية في الإسراء من أكثر عناصر الحادثة كثافةً دلالية.
1. وحدة الرسالات وخَتْمُها
أداء النبي ﷺ الصلاة إمامًا بالأنبياء في بيت المقدس يمثل:
إعلانًا رمزيًا عن خَتْم النبوة
وتأكيدًا على أن الإسلام هو الامتداد المصحِّح لمسار الرسالات السابقة
2. التحول الإلهي في مركز الهداية
لم يكن الأمر صراعًا مع أهل الكتاب بقدر ما كان تحويلًا حضاريًا للقيادة الدينية، بعد أن:
حُرِّفت القيم
وتحوّل الدين عند بعضهم إلى هويةٍ مغلقة أو سلطةٍ دنيوية
فجاء الإسلام ليعيد:
مركز الأخلاق إلى العبادة،
ومركز الإنسان إلى الرسالة،
ومركز الأرض إلى السماء.
ثالثًا: المعراج… تكريم الإنسان المؤمن
في المعراج، بلغ النبي ﷺ مقامًا لم يبلغه بشر، في رسالة واضحة مفادها أن:
القرب من الله لا يُنال بالقوة
ولا بالملك
بل بالصبر والصدق وتحمل الأذى
وهنا تتجاوز الرحلة بعدها الفردي لتؤسس فلسفة إنسانية إسلامية ترى أن الإنسان مكرَّم بقدر ما يحمل من معنى، لا بقدر ما يملك من أدوات.
رابعًا: فرض الصلاة… جوهر الرسالة لا تفصيلها
تمثل الصلاة المكسب التشريعي الأعظم من الإسراء والمعراج.
لماذا الصلاة؟
لأنها العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء
ولأنها الصلة اليومية بين الإنسان والمطلق
ولأنها النظام الذي يعيد ضبط العلاقة بين الروح والسلوك
فرضت خمسين ثم خُففت إلى خمس، في معادلة تجمع بين:
التكليف
والرحمة
والكرامة الإنسانية
إن الصلاة في الإسلام ليست طقسًا، بل بنية أخلاقية كاملة:
من أحسن صلاته، أحسن حضوره في الحياة.
خامسًا: الإيمان بالغيب ومعيار التصديق
أحدثت حادثة الإسراء والمعراج فرزًا إيمانيًا واضحًا:
من قاس الغيب بالعقل المجرد كذّب
ومن وثق بالرسالة صدّق
وكان موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه نموذجًا للعقل المؤمن، الذي يفهم أن:
الإيمان ليس فهم الكيف، بل الثقة في المصدر.
سادسًا: القراءة الحضارية للحدث
في بُعده الحضاري، يقدّم الإسراء والمعراج رسالة شديدة المعاصرة:
لا نهضة بلا عبادة واعية
ولا قيادة بلا أخلاق
ولا أمة بلا صلاة تحرر الإنسان من العبوديات الصغيرة
فحين انفصلت العبادة عن القيم، سقطت أمم.
وحين استُعيدت الصلاة كفعل حضاري، وُلدت حضارة.
خاتمة
الإسراء والمعراج ليسا ذكرى احتفالية، بل نصًّا مفتوحًا للفهم والتجديد.
هما إعلان بأن السماء لا تزال حاضرة في التاريخ،
وأن الصلاة ليست انسحابًا من الواقع،
بل أعلى أشكال مقاومته بالمعنى.
وفي زمنٍ تتآكل فيه القيم، يبقى السؤال:
هل نملك شجاعة الصعود الروحي… أم نكتفي بالنظر إلى الأرض؟
