الاحتفال الذي يفضح الواقع

 

  



بقلم الكاتبة الصحفية/سهام فودة 



في الثامن من مارس من كل عام يتزين العالم بكلمات رقيقة وصور وردية احتفاءً بـ اليوم العالمي للمرأة لكن السؤال الذي يتسلل بين باقات الورد كنسمة باردة في مساء مزدحم هل يكفي الاحتفاء لتضميد قرون من الإقصاء وهل تكفي الخطب الرنانة لترميم كسور غير مرئية في روح امرأة ما زالت تقاوم على أكثر من جبهة إن المرأة ليست موسماً عابراً في أجندة المناسبات وليست عنواناً للاستهلاك الإعلامي بل هي قضية عدل ممتدة بامتداد التاريخ ومرآة لضمير العالم حين يختبر صدقه في إنصاف نصفه الآخر


الاحتفال الحقيقي لا يبدأ بإضاءة المباني باللون البنفسجي ولا بتبادل العبارات المنمقة بل يبدأ بسؤال شجاع هل حصلت المرأة فعلاً على حقها أم أننا منحناها هامشاً مزخرفاً داخل مشهد لا يزال يدار بعقلية قديمة نعم قطعت نساء كثيرات مسافات واسعة في ميادين التعليم والعمل والسياسة والبحث العلمي وتصدرت المرأة مواقع القرار وأثبتت كفاءة لا جدال فيها لكن الإنجاز الفردي لا يعني بالضرورة عدالة جماعية فهناك فجوات في الأجور وتمثيل ناقص في دوائر صنع القرار وصور نمطية تتسلل بهدوء إلى الوعي العام فتقيد الطموح قبل أن يولد


وفي عالم يموج بالحروب والنزاعات تبدو الصورة أكثر قسوة فالمرأة ليست مجرد متلقية لآثار الصراع بل هي أول من يدفع الثمن وأطول من يتحمل تبعاته وفي غزة الجريحة تقف المرأة شاهدة على الألم وصانعة للأمل في آن واحد تحمي أبناءها من ركام الخوف وتخيط من بقايا الأيام ثوباً للصبر إن نساء غزة لسن أرقاماً في نشرات الأخبار بل هن سرديات حية لمعنى الصمود وامتحان إنساني لضمير العالم فكيف نحتفل بينما هناك أم تبحث عن ماء وطفلة تبحث عن مدرسة وامرأة تبحث عن أمان مفقود


المرحلة الراهنة ليست عادية فهي زمن تحولات رقمية متسارعة وأزمات اقتصادية ضاغطة وصراعات تعيد رسم خرائط النفوذ وفي قلب كل ذلك تقف المرأة العربية بين مطرقة التحديات الاجتماعية وسندان الواقع الاقتصادي تواجه بطالة مقنعة وعنفاً مستتراً وأعباء مضاعفة بين العمل والرعاية وغالباً بلا شبكات دعم كافية إن تمكين المرأة اليوم لم يعد ترفاً خطابياً بل ضرورة استراتيجية لأي مجتمع يريد أن ينهض بثبات


ما تحتاجه المرأة في هذه اللحظة الحرجة ليس شعارات إضافية بل سياسات واضحة تضمن الحماية القانونية الفعلية من كل أشكال العنف وتحقق عدالة في فرص العمل وتفتح أبواب التدريب الرقمي والاقتصادي على مصاريعها وتعيد صياغة المناهج التعليمية بحيث تزرع ثقافة المساواة منذ الطفولة كما تحتاج إلى إعلام مسؤول يتوقف عن تسليع صورتها ويحتفي بإنجازها لا بمظهرها وإلى تشريعات تترجم قيم العدالة إلى واقع ملموس لا إلى نصوص معلقة على الجدران


الاحتفال باليوم العالمي للمرأة يجب أن يتحول من مناسبة إلى مراجعة من لحظة تصفيق إلى لحظة محاسبة من كلمات عابرة إلى خطط قابلة للقياس فالقضية لم تعد إثبات قدرة المرأة على النجاح بل إزالة العوائق التي تعرقل هذا النجاح القضية لم تعد الدفاع عن حقها في الوجود بل ضمان حقها في التأثير وصناعة القرار


إن المرأة لم تطلب امتيازاً بقدر ما طالبت بإنصاف ولم تسع إلى صراع بقدر ما سعت إلى شراكة عادلة ومع كل تقدم يتحقق يبقى الطريق مفتوحاً على أسئلة أكبر عن العدالة الاجتماعية والسلام والاستقرار لأن وضع المرأة في أي مجتمع هو المؤشر الأكثر صدقاً على مستوى تحضره


في هذا اليوم لا نحتاج إلى أن نقول للمرأة شكراً فقط بل أن نقول للعالم كله إن كرامتها ليست بنداً قابلاً للتأجيل وإن العدالة التي لا تشملها عدالة ناقصة وإن المستقبل الذي لا تصنعه بيديها مستقبل هش ومؤقت فالاحتفال الحقيقي يبدأ حين نعترف أن الطريق لم يكتمل بعد وأن إنصاف المرأة ليس خياراً تجميلياً بل شرطاً أخلاقياً لبقاء إنسانيتنا حية ومتوازنة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology