بقلم:سعاد المرنيصي
هل للإنسان العربي اليوم من جوهر يمّيزه، أم غدا مجرد قناع مبتذل؟ هل للإنسان العربيّ من شمس تنير أرضه وسماءه أم أنه يسير في ظلال هذه الأقنعة على وميض عابر؟
البحث عن الشمس مسرديّة للأديب عز الدين جلاوجي تتناول قضيّة الإنسان العربيّ المقهور، قضية حضارة تكشف عن عريها، تبوح بتغريبة تيهها، بيأس صار يستوطن الأجساد، وخوف صار يتربّص بالأرواح في رحم عالم مظلم، وقلم الأديب وحده يحاول شقّ العتمة ليعيد للمعنى نضارته.
البحث عن الشمس صفحات تولد من أعماق هذا الحاضر الغائب لتكون شاهدة عليه وعلى ذلك المقهور الذي ظلّ يغطّ في نوم عميق طيلة قرون، من أمـــــــــــــاته؟ ومن يحييه؟ لا هو من أهل الكهف حتى تزّاور الشّمس عن يمينه وعن شماله، ولا هو من الأحياء فيضرب في هذه الحياة طولا وعرضا، بل هو مقهور سُرقت شمسه، فعشّشت العناكب في بيته، أظلم عالمه فاستكان للسكون واستساغ الراحة.
وأيّ شمس هذه الّتي غابت حتّى صار عقله بلا حكمة، حتى صار بلا قلب، بلا نبض، يعانق ظلّه في الفراغ ويراقص العتمة في العدم، أيّ علة هذه التي أصابته حتى يجفّ عقله وتنقبض إرادته؟
البحث عن الشمس رحلة إعادة بناء للإنسان، رحلة لاستعادة الصّلة بين الإيمان والعمل، بين الوعي والفعل، بين الماضي والحاضر، بين الأنا وقناعاتها. الإرادة وحدها هي القادرة على رتق هذه الروح المنطفئة ورأب الكسور التي أصابت الشعوب العربية وذاكرتها المثقوبة التي أصبحت لا تفرق بين الحق والباطل، بين الحقيقة والوهم، بين الوجود والعدم في زمن انقلبت فيه القيم، فأديرت الجرائم بذكاء القانون، واستشرى شرٌّ يستعير أقنعة الجمال ويحاول تسكين الآلام بما يزعمه قوانين ومحاكم دوليّة، إنّه ذاك المنزوع الضمير الذي امتدت جذوره في كلّ أرض وطالت يده الروح قبل الجسد والعقل قبل العين، يزيف الحقائق بخبث هندسيّ مدافعا عن حقوق الإنسان وحماية الحضارة، وتحت شعار التمدّن والتحضّر يغتال البراءة في مهدها لينصّب نفسه ملكا في الأرض وملاكا في السّماء، إنّه وحش سرطاني يتعاظم كلما حاول الوعي أن يوقظ بذور الإصرار. وقلم الكاتب، صوته يحلّ في شخصيّة الغريب، يذيب الكاتب المسافة بينه وبين شخصية الغريب في المسردية في سلاسة مدهشة حتى تصبح الكتابة محاولة لإنقاذ ما تداعى، ويصير السرد بساطا يحملنا إلى عوالم التجلي والكشف والمكاشفة لا مجرد حكي.
شخصية الغريب تحاول زعزعة المقهور ونزع أسمال الخوف والعجز والتسليم والعبوديّة عنه، يحاول أن يوقظه ويضخّ في الشرايين دماء جديدة، يشحذ عزيمته يدعوه لرفض هذا الواقع، يحثّه على استعادة النبض، يشجّعه على تمزيق الحجب التي تعمي الأبصار، يحفّزه على الفعل، يحرضه على المقاومة والتي يسعى إلى تحويلها إلى فعل كونيّ وإنسانيّ يقطع مع الشر، يذكره بالماضي التليد، يذكره بالمجد الضائع، بالحلم التائه ليعيد إليه الحياة ويعيد للحياة نضارتها.
والفضاءات في هذه المسرديّة لا يمكن أن نختزلها في كونها امتدادا زمانيا أو مكانيا مجرّدا، بل هي بنية مركّبة يتشكل فيها وعي جديد، الفضاءات تدفع الذات إلى تحويل إدراكها من التسليم إلى الرفض
وانطلاقا من هذا التصور تتحوّل الفضاءات إلى دعوة صريحة لمراجعة الذات ومساءلة العقل، ليس فقط بعلاقته بالماضي بل أيضا في تمثله للحاضر واستشرافه للمستقبل، إن هذا النص بطرحه البليغ يفتح أفقا للتفكير، لنقد الذات، لإعادة النظر في الواقع لتفكيك أنماط التفكير التي وطن العربيّ نفسه عليها طيلة هذه القرون. وفي هذا الإطار تتعالى الأصوات وتنبثق أسئلة تهزّ الضمائر كأداة معرفية لا غنى عنها: من يقود حين يخفت صوت الحقيقة؟ ومن يصمد حين ينزف الصبر؟ ومن يمجد حين يسيطر الخوف؟ من يظلّ وفيا لجوهره، لماضيه حين تتآكل الإرادة إن هذه التساؤلات التي يتردد صداها في صفحات المسرديّة لا تعكس الموجود فحسب، بل تكشف أزمة أعمق انهيار قيمي، انحطاط مجتمعي، غياب نظام دولي يصون الحقوق: العدل المساواة، الحرية في زمن الانسان محاصر فيه بين استلاب الإرادة واغتراب الذات. ومن هذا المنطلق، لا يمكن للعقل الواعي أن يتغافل عن كون مسردية البحث عن الشمس تفتح ذلك الجرح الغائر، جرح لم يندمل: فلسطين، جرح الأرض التي سرقوا منها الدار والآبار وتخضبت بلون الدم وتوشحت بألوان الهزيمة وتزخرفت بفنون التوحش المقنن
الكاتب عز الدين جلاوجي يغمس الكلمة في ذاكرة هذه الأمة المتخمة بالوجع، ثم يزرعها في فكر القارئ ليزعزع القناعات، ليؤجج نيران التوتر في السكون ليولد ذاك السؤال بطعم المرارة والحرقة. وعلى هذا الأساس، فإن تجاوز هذه الأزمة يقتضي إعادة اعتبار للعقل باعتباره أداة الكشف، وهذا يفتح أفقا جديدا لإعادة بناء وعي جديد، وعي نقدي قادر على التمييز بين ما هو جوهري وما هو زائف، قادر على التخلص من الارباك والتشويش، من الشتات والتمزق. البحث عن الشمس بحث عن الحرية والتحرر من قيود الخوف والجهل، والمعرفة وحدها هي أداة التحرر، والفعل هو الذي يفتح الأفق الجديد خارج بوتقة المقايضة الوضيعة العبودية مقابل الأمن.

