العمق الوجداني في قصيدة " ما زلت حياً" للشاعرة هيام يوسف أبو حمدة



بقلم عزيزة المبارك/سورية 

الشاعرة هيام أبو حمدة شاعرة أردنية، لها مشاركات في أمسيات شعرية ومهرجانات، وعدة إصدارات في مجلات متعددة. قصيدتها "ما زلت حياً"، سوف أتناولها في مقالي هذا.

النص:

ما زلتُ حيّاً ..

هيام يوسف أبو حمدة 


ما زلتُ حيّاً .. لم أمُتْ 

هذي الهزيمةُ كفُّ أغنيةٍ تبدَّدَ ماؤها 

وانسابَ نَـهراً من يَـبَـاسِ العُمْـرِ 

في خدٍ حَـزينْ.. 

 

هذي بقايا البردِ في سيقانِ أوهامِ السنينْ

لا لم أمتْ ..   

هذي عريشةُ ياسمينَ تبللتْ إثرَ الغيابِ

يذوبُ في الطرقاتِ 

يُغويهِ الحنينْ..


هذي الهزيمةُ في مقابلِها هزيمةُ حاقدٍ 

ليس انتصاراً ما تحوْكُ "أناملٌ" 

من ألفِ عامٍ داسَها ذلٌ تجبَّر 

في أنوفِ الحاقدينْ..


لـــــا لم أمتْ .. 

كلُّ الذين تشابَـكتْ خيطانُهم

في كفِّ مصيدةٍ رَمتْ أحبالَها 

سَـجدوا لـربٍ صاغَ ما ألقى اليمينُ 

وما تلقَّفه اليقينْ..   


إني هُنا .. لا زلتُ قربَ

الكرمةِ الحمراء تنبتُ فوقَ حيفا 

تعصرُ الشفتينِ في عُنقودِها البِكر النبيّ

وتكبرُ الدنيا بعاطفة النبوةِ كي يُـعمِّدَ 

بالصلاةِ جديلةً / تغفو بفئ  النورِ /في 

أنفاسِ غِـبطةِ ياسمينْ..


أنا لمْ أمُتْ! .. لا زلتَ حياً..

كيف للقلبِ الذي يحيا بنبضِك أنْ يموتْ!؟

لا زلتَ حياً والهواءُ بكلِّ صُـبْحٍ يستفيقُ يَـشُـمُّ 

ريقَكَ يَـحفظُ الشهقاتِ ينثرُها ربيعاً 

يكسرُ الصَّمتَ الغريقَ ببردِ أغنيةٍ نمَتْ 

في ظُـلمةٍ عـمياءَ فوقَ 

يَـدَيْ سَـجينْ ..


أنا لمْ أمُتْ.. هَـجمَ الغيابُ.. 

غيابُك المجنونُ شرَّعَ موتَه في 

مَـقـتَـلـي وسَـقى اشتياقاً 

كانَ أغرقهُ الأنينْ..

اتسمت القصيدة بنبرة وجدانية عميقة مزجت بين الأمل والألم، بدأت الشاعرة بتأكيد جازم "ما زلت حياً... لم أمت"، هذا التكرار ليس مجرد إثبات للوجود، بل دليل على إرادة الحياة والمقاومة، وإعلان عن الصمود النفسي في وجه الانكسارات، وتأكيد على الحضور القوي، وترفض فكرة النسيان والفناء، وتأكيد بقاءها على قيد الحياة طالما قلبها ما زال ينبض بالحب والاشتياق، لتؤكد أن روحها تظل حاضرة بآثارها وعواطفها. الإيحاء هنا أنها مرت بظروف قاسية أو هزيمة ربما، لكنها ترفض الاستسلام، وحولت هزيمتها لانبعاث.

 استخدمت الشاعرة صوراً شعرية لتصف الحالة النفسية، وتوضح دلالات المعاني سأقوم بتحليلها من منظوري الشخصي فيما يلي:

"الهزيمة كأغنية": وصفت الشاعرة الهزيمه بأنها " كف أغنية"، بددت الجمود، وحولت "يباس العمر"، إلى نهر ينساب. في دلالة على أن الألم قد يكون دافقاً لتدفق المشاعر والحياة من جديد.

الكاتبة ربطت بين الطبيعة والذاكرة حيث استحضرت عناصر مثل " البرد، الياسمين، والحنين"، لتعبر عن صراع الذات مع الغياب والانتظار. الياسمين المبلل رائحته العابقة، رمز إلى الجمال الذي يستمر رغم الفقد.

نلاحظ أيضاً رمزية البعد الوجودي والكرامة: انتقلت الشاعرة من الصعيد الشخصي إلى لمحة أوسع تتعلق بالكرامة والانتصار الحقيقي، وقد فرقت بين "الانتصار" الزائف وبين "صمود الروح"، وتحدثت عن "ذل تجبر" وتحطم تحت أقدام الزمن، مؤكدة أن البقاء الحقيقي هو بقاء القيم والإرادة التي لا تكسرها السنون.

- الحضور والتعلق بالأرض: "اني هنا.. لا زلت قرب الكرمة الحمراء"، نرى التأكيد القوي على الرمزية المكانية، ربط الكاتبة هنا الوجود برموز مكانية وطبيعة "الكرمة الحمراء فوق حيفا"، استخدام مدينة حيفا أعطى المعنى بعداً وطنياً وجدانياً عميقاً، ورمزت الكرمة "العنب" التي تنمو في حيفا، إلى الخصوبة والبقاء وإلى تجذر الهوية والجمال الذي ينبت رغم الصعاب في الوجدان العربي والفلسطيني.

برز في النص إصرار قوي على نفي الموت "انا لم أمت.. لا زلت حياً": في رمزية حول جدلية الموت والحياة، والتكرار عكس إرادة صلبة على البقاء، ليس كوجود فيزيائي ومصيري، بل وجود عاطفي وروحي يتغذى على نبض الأرض.

الشاعرة ركزت على التفاصيل ورأت حياتها مستمرة من خلالها، " الهواء، الصبح، الشهقات". مما أوحى بأن وجودها أصبح جزءاً من الطبيعة والكون لا يمكن محوها.

ظهرت عاطفة الفقد والاشتياق في الأبيات، وصفت الشاعرة حالة الغياب " الهجوم"، مما أعطى انطباعاً بالقسوة والمفاجأة. عبارة "غيابك المجنون" هنا تعبير عن حالة الفوضى النفسية التي تركها الرحيل، وتحول الغياب إلى سكين "شرع موته في مقتلي"، لكنه في الوقت ذاته "سقى اشتياقاً" مما أوضح هنا التناقض الجميل والمؤلم في الحب؛ فالعذاب يغذي شوقها.

"عنقود البكر" رمز للطهارة والبدايات المتجددة التي لا تنضب، مما أعطى للأرض صفة القداسة.

نلاحظ التلاحم بين روح الشاعرة والطبيعة:  تفغو بفيء النور.. في انفاس غبطة ياسمين، نرى انسنة الطبيعية "الأنفاس، الغبطة"، حيث أصبحت وعاءً للمشاعر والإنسانية، مما أعطى جواً من الطمأنينة الروحية الصوفية.

ثنائية الموت والحياة والتحدي الوجودي بدت واضحة في الأبيات "أنا لم أمت ما زالت حياً": تكرار العبارة مثل الثقل في القصيدة، التي هي صرخة في وجه الغياب والفناء.

"كيف للقلب أن يحيا بنبضك أن يموت": الدلالة هنا أن الآخر، الحبيب أو الوطن ربما، هو مصدر الحياة الأبدي، والموت البيولوجي لا يعني النهاية طالما أن الذاكرة والحب مستمران.

استخدمت الشاعرة رمزية التناقض بين الضوء والعتمة في قولها: "ظلمة عمياء" مقابل النور"، التضاد هنا أبرز حالة الصراع. الظلمة مثلت السجن، القيود، أو الغياب. "يدي سجين"، بينما "النور والصلاة مثلا الإنعتاق والحرية الروحية.

عبارة "يستفيق يشم ريقك": تظهر الصورة الفنية الحسية المبتكرة، التي ربطت بين الصباح وبين تفاصيل الحبيب الصغيرة، مما جعل الوجود المادي مرتبطاً بوجود الآخر.

"يكسر الصمت الغريق ببرد اغنية": نرى الإستعارة المكنية الرائعة حيث جعلت الصمت شيئاً يغرق، والأغنية أداة للإنقاذ والتحرر، ووصفها "البرد"، أوحى بالسلام والطمأنينة بعد وهج الألم.

نرى البعد الميتافيزيقي "النبوءة والقداسة"، واستخدام مفردات مثل "يعمد، الصلاة، عاطفة النبوءة"، حيث رفعت التجربة الإنسانية من مستواها العادي إلى مستوى مقدس، وكأن الحب أو الانتماء للأرض هو دين الشاعرة وطريقها للخلاص.

القصيدة عبارة عن رسالة صمود، ترى في المعاناة وسيلة للتطهير والانبعاث، وتؤكد أن الحياة الحقيقية تكمن في القدرة على الوقوف مجدداً، محولة الدموع إلى أنهار من الإبداع والحنين.

برأيي النص ترنيمه للبقاء، والحب الذي لا يهزمه الغياب، حيث تتماهى الشاعرة مع أرضها ومحبوبها، لتعلن انتصار الحياة والذاكرة على الموت والغياب، محولة الألم الشخصي إلى حالة من التسامي الروحي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology