بقلم الناقد موسى بن حداد
يشكّل السياق السردي في رواية "قيد انطفاء" لآمال شتيوي فضاءً دلاليًا تتقاطع فيه الأزمنة التاريخية والاجتماعية والنفسية، بما يجعل الرواية تتخطى حدود السرد الخطي إلى بناء رؤية شاملة للتحولات التي عرفها المجتمع الجزائري عبر مراحل مفصلية من تاريخه الحديث؛ فالنص لا يكتفي باستحضار الأحداث كونها وقائع زمنية، وإنما يعيد إنتاجها ضمن بنية لغوية سردية تستند إلى جدلية الذاكرة والواقع، حيث تتماهى التجربة الفردية مع التجربة الجمعية، ويتحول مصير الشخصيات إلى مرآة تعكس مصير الوطن في لحظات الانكسار والأمل. ومن هذا المنطلق؛ يتأسس السياق السردي على ثلاثية متكاملة تبدأ باستدعاء الذاكرة الوطنية المرتبطة بالثورة التحريرية، ثم تنتقل إلى سنوات العشرية السوداء وما رافقها من اضطرابات أمنية واجتماعية، لتنتهي عند جائحة كورونا بعدها أزمة إنسانية عالمية أعادت مساءلة قيم الحياة والموت والعزلة والتضامن.
ويبرز حضور الثورة التحريرية في الرواية كمرجعية تاريخية وأخلاقية تؤسس لوعي الشخصيات، إذ يستدعي السرد تضحيات جيل المقاومة باعتبارها النموذج الأعلى للتضحية والانتماء الوطني، غير أن هذا الاستدعاء لا يأتي في إطار تمجيد خطابي مباشر، وإنما يُستثمر للكشف عن الفجوة التي تفصل بين أحلام التحرير الكبرى وإكراهات الواقع اللاحق؛ فالثورة في الرواية ليست حدثًا منتهيًا، بل ذاكرة فاعلة تستمر في تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح الشخصيات معيارًا تقيس به حجم التحولات التي أصابت المجتمع، لذلك تبدو العودة إليها بمثابة استعادة للهوية والبحث عن المعنى في مواجهة أزمنة القلق والانكسار.
وعندما ينتقل السرد إلى فترة التسعينيات، يتغير النسق الحكائي ليكتسب إيقاعًا أكثر توترًا، حيث تصبح الشخصيات محاصرة بالخوف والشك وفقدان اليقين. ويحرص الكاتب على تصوير تلك المرحلة بوصفها اختبارًا قاسيًا لقدرة الإنسان على التمسك بالقيم الإنسانية وسط العنف والانقسام، فتتعدد صور الفقد والاغتراب، وتتسع دائرة الألم لتشمل الأسرة والحي والمدينة والوطن بأكمله. وفي هذا السياق لا تتحول الشخصيات إلى مجرد ضحايا للأحداث، وإنما تصبح ذواتًا مقاومة تحاول إعادة بناء الحياة رغم الانهيارات المتتالية، وهو ما يمنح السرد بعدًا إنسانيًا يتجاوز التوثيق التاريخي إلى مساءلة الأثر النفسي والاجتماعي الذي خلفته تلك المرحلة في الذاكرة الفردية والجماعية.
وتأتي جائحة كورونا لتضيف طبقة جديدة إلى السياق السردي، إذ تمثل امتدادًا لسلسلة الأزمات التي واجهها المجتمع، لكنها تختلف عنها في طبيعتها، لأنها عدو غير مرئي فرض العزلة وأعاد تشكيل العلاقات الإنسانية بصورة غير مسبوقة. ويستثمر الكاتب هذه المرحلة للكشف عن هشاشة الإنسان أمام الأوبئة، وفي الوقت نفسه يبرز قدرة المجتمع على إنتاج أشكال جديدة من التضامن والتكافل. وهكذا تتحول الجائحة من مجرد خلفية زمنية إلى عنصر بنائي يعيد صياغة رؤية الشخصيات للحياة، ويجعلها أكثر وعيًا بقيمة الزمن والأسرة والروابط الإنسانية.
ومن خلال هذا التداخل بين الثورة وفترة التسعينيات وجائحة كورونا، ينجح السياق السردي في بناء وحدة دلالية متماسكة تقوم على فكرة الامتحان المستمر الذي يواجه الإنسان والوطن معًا. فكل مرحلة تاريخية تكشف وجهًا مختلفًا من وجوه المعاناة، لكنها في الوقت ذاته تؤكد استمرار إرادة البقاء ومقاومة الانطفاء، وهو ما ينسجم مع الدلالة الرمزية لعنوان الرواية، حيث يصبح "قيد انطفاء" تعبيرًا عن لحظة حرجة توشك فيها الأحلام على الأفول، لكنها لا تنطفئ نهائيًا؛ لأن جذوة الأمل تظل كامنة في الذاكرة والإرادة والقدرة على استئناف الحياة. ومن ثم؛ فإن السياق السردي في الرواية لا يقتصر على تأطير الأحداث زمانيًا ومكانيًا، بل يؤدي وظيفة جمالية وفكرية تتمثل في ربط التجربة الفردية بالسياق الوطني، وصياغة خطاب روائي يستوعب التاريخ والواقع والإنسان ضمن رؤية سردية عميقة تجعل من الرواية شهادة فنية على تعاقب الأزمات واستمرار الأمل في آن واحد.
