بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
في مدينةٍ تتلألأ مآذنها في الأفق، وتتعالى فيها أصوات الأذان خمس مرات كل يوم، وتزدحم شوارعها بالمساجد والزوايا ودور العبادة، يقف الإنسان حائرًا أمام سؤالٍ ثقيلٍ لا يزال يتردد صداه في الوجدان منذ عقود: لماذا تزداد المباني الدينية بينما تتراجع الطمأنينة في القلوب؟ ولماذا أصبح الإنسان أكثر امتلاكًا لوسائل الراحة وأقل امتلاكًا للراحة نفسها؟
إنها المفارقة الكبرى التي يعيشها عالمنا المعاصر. فالبشرية لم تبلغ في أي عصر من عصورها ما بلغته اليوم من تقدم علمي وتقني هائل. بضغطة زر نستطيع أن نصل إلى أقاصي الأرض، وبشاشة صغيرة نحمل العالم كله في جيوبنا، وباختراعات مذهلة تجاوز الإنسان حدود الخيال القديم حتى صار يلامس أسرار الكون ويغوص في أعماق الذرة ويقترب من النجوم. ومع ذلك، يبدو أن الإنسان الحديث يعيش حالة من الفقر الداخلي لم يعرفها أسلافه الذين امتلكوا القليل من الأشياء لكنهم امتلكوا الكثير من السكينة.
لقد كسبنا السرعة وخسرنا التمهل، وكسبنا وسائل التواصل وخسرنا التواصل الحقيقي، وكسبنا القدرة على رؤية العالم كله بينما فقدنا القدرة على رؤية من يجلس بجوارنا. أصبحنا نعرف أخبار الغرباء في القارات البعيدة، لكننا نجهل أوجاع أقرب الناس إلينا. ازدادت المعرفة واتسعت المعلومات، لكن الحكمة التي تمنح للحياة معناها أخذت تتراجع أمام ضجيج التفاصيل اليومية.
ولعل أخطر ما أصاب عصرنا ليس نقص الموارد ولا تعقيد الحياة، بل تآكل القيم الإنسانية التي كانت تمنح المجتمعات تماسكها وجمالها. فقد أصبحت الشهامة استثناءً بعد أن كانت قاعدة، وصارت الأمانة فضيلة نادرة بعد أن كانت سلوكًا طبيعيًا، وتحولت البساطة إلى تهمة في زمن يتباهى بالمظاهر أكثر مما يهتم بالجوهر. لم يعد كثير من الناس يسألون عن نقاء القلب بقدر ما يسألون عن حجم الحسابات البنكية، ولم يعد النجاح يقاس بما يضيفه الإنسان إلى حياة الآخرين، بل بما يجمعه لنفسه من مكاسب ومظاهر.
وفي زحام هذا السباق المحموم، فقد الإنسان علاقته بأبسط الأشياء الجميلة. فقد أصبح الوقت سلعة نادرة، والهدوء رفاهية مفقودة، والجلوس مع الأسرة مناسبة استثنائية، والتأمل في النفس فعلًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم. كأن الإنسان بنى عالمًا خارجيًا مذهلًا، لكنه أهمل ترميم عالمه الداخلي حتى امتلأ بالشقوق الخفية.
إن أزمة هذا العصر ليست أزمة علم، فالعلم نعمة عظيمة ووسيلة للارتقاء بالحياة، وليست أزمة اختراعات، فالاختراعات خُلقت لتخدم الإنسان. الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الإنسان من سيدٍ لهذه الأدوات إلى عبدٍ لها، وعندما تصبح التكنولوجيا غاية بعد أن كانت وسيلة، وعندما يُختزل الإنسان في أرقام وإحصاءات ومؤشرات أداء، بينما تتوارى مشاعره وأحلامه وقيمه خلف شاشات باردة لا تعرف معنى الرحمة أو الحنان.
ومن المدهش أن المجتمعات التي تمتلك كل أسباب الرفاهية المادية تعاني اليوم من موجات غير مسبوقة من القلق والوحدة والاكتئاب والاغتراب النفسي. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص الإمكانات، بل في غياب المعنى. فالإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر إذا امتلك الأمل، وأن يواجه التعب إذا شعر بالحب، وأن يصبر على المشقة إذا وجد غاية يعيش من أجلها. أما حين يفقد المعنى، فإن كل ما يملكه من أسباب الرفاهية يتحول إلى أشياء صامتة لا تمنحه السعادة التي يبحث عنها.
لقد كانت الأجيال القديمة أقل امتلاكًا للأشياء وأكثر امتلاكًا للرضا. كانوا يعرفون قيمة الجار، وحرمة الكلمة، وبركة اللقاء، ومعنى الوفاء. لم تكن حياتهم مثالية، لكنها كانت أكثر دفئًا وإنسانية. كانوا يبنون البيوت بالحجارة ويبنون العلاقات بالمحبة، أما نحن فقد أتقنا بناء الأبراج الشاهقة بينما تعثرت قدرتنا على بناء جسور المودة بين القلوب.
وليس المطلوب أن نعود إلى الوراء أو أن نحارب التقدم، فالتاريخ لا يسير إلى الخلف. المطلوب أن نستعيد التوازن الذي يجعل العلم في خدمة الأخلاق، والتكنولوجيا في خدمة الإنسان، والنجاح مقرونًا بالقيم، والقوة ممزوجة بالرحمة. فالأمم لا تُقاس فقط بما تنتجه مصانعها، بل بما تنتجه ضمائرها، ولا تُقاس بما تملكه من أدوات، بل بما تحمله من مبادئ.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: إلى أين وصل الإنسان؟ بل: ماذا بقي من الإنسان داخل الإنسان؟ فكل تقدم لا يجعلنا أكثر رحمة، وأكثر صدقًا، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على الحب، يظل تقدمًا ناقصًا مهما بدا مبهرًا. وما تحتاجه البشرية اليوم ليس مزيدًا من الآلات بقدر ما تحتاج إلى إحياء تلك القيم النبيلة التي تمنح للحياة روحها وللإنسان إنسانيته.
فالعالم لم يفقد جماله، لكن العيون أرهقها الركض. والطمأنينة لم تختفِ، لكنها توارت خلف ضجيج الحياة. وما زالت الإنسانية قادرة على النهوض من جديد متى أدرك الإنسان أن أعظم اكتشاف يمكن أن يحققه ليس اكتشاف كوكبٍ جديد، بل اكتشاف القلب الذي كاد يضيع منه وسط زحام العصر.
