مجالس عزاء
عنوان لنص شعري نثري غير مقيد، يتغلغل بعض القوافي غير المتلازمة لكل النص.
مجالس عزاء نُصبت للراحلين، نعرف أنهم غابوا عن النظر، ولا توجد أجساد تحركها، ولا أرواح تسيرها، ولا أنفاس تدخل لجوفها، فيُنصب مجلس العزاء والندب للذين ذهبوا دون عودة.
لكن هنا، قراؤنا الكرام وكتابنا الأكارم، هذا النص يتحدث عن مجلس عزاء من نوع مختلف:
للطيبة، للنخوة، للضمير، للنفوس، للتباعد والاغتراب وعواقبه.
تُنصب مجالس عزاء على هذا الذي فُقد من مكونات مجتمعنا الأساسية، بل الأخطر أصبحت تلاحق الأسر والبيوت العامرة.
جاء الكاتب والشاعر صلاح حاملًا حروف التعبير من أول حرف:
تَتَهاوى الأُمنيات ............... كأوراقِ خَريفٍ أصفَرَ ، مُكفَهِر ....... صارَت كَسَقَطِ اللَوى .................. انقَطعَ ذاكَ الأثَرُ واختَفَتِ العَلامات أأعيبُ عَلى غَيري أم عَلى نَفسي ذاكَ الكُفرَ الشَديد .......
هنا أظهر الكاتب أول ملامح الانتقاد اللاذع، وصولًا إلى حد التشبيه ((بالكفر))، وهذا لتقريب بشاعة التحول وأثره على المجتمع، وفقدان التماسك والارتباط، إشارة إلى ما يؤدي إليه.
زينت العبارات المتعبة هذا التجسيد:
من تهاوي الأمنيات، كأوراق خريف، تساقط، الكفر الشديد.
عِندَما ضِعنا في تَرحالٍ وشَتات أثَراً بَعدَ عَينٍ صارَتِ الإِشارات ... ضاعَتِ الناسُ وضاعَتِ العَلامات قَديماً ولَيسَ بِقَديمٍ جِداً .............. كانَ الزَفيرُ يَدُلُ عَلى مَجالِسِ الناس كانَ الحَفيفُ فَقَط يُخبِرُ .............. الناسَ بِالناس .......... كانَ إِذا قالَ أحدُهُم آهٍ ........ اجتَمَعَ خَلقُ اللهِ وأتَتِ الناس ...... لِلتَدافُعِ ، لِلذَودِ عَن حِمى الناس ... كانوا لا يأبهونَ لِلوَسواسِ الخَناس
في هذا المقطع يفتح الكاتب أبواب قصيدته النثرية نحو توضيح سبب بيان سواد العبارات وغمائمها المتعبة، بشرح الذي يظهر حقيقة هذا التعب.
وضع اليد على الجرح في البيان، سبب الاغتراب والتباعد، واختلاف ممكن البلد والناس والتقاليد.
أعطى الشاعر مدى الضمير الحي والإنسانية التي كانت، كان الناس يفهم بعضهم بعضًا من ملامح الوجه، ومن نبرة الصوت.
إشارة لهذا أنهم كانوا لا يهابون الوسواس الخناس، إشارة رائعة لغياب ذلك لدى الأكثر، من مخافة الله تعالى وتسليم النفس الأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي.
وأبرز ما أشار له الكاتب أن هذا الزمن من النخوة والضمير ليس قصصًا وحكايات جداتنا، زمن ليس ببعيد، زمن عشنا به واستشعرنا الطيب الذي كان فيه، ولهذا حسرته تصنع غصة سبب التحول المرغومين على تقبله والتعايش معه.
عَذراءُ بَكَت عَلى خاطِبٍ ....... خاضَ غِمارَ البَحرِ فَغَرِقَ ومات .. . .
إلى
مِن كُلَ الأصنافِ مِن كُلَ ال ضاعوا في بِلادِ الله ................ تَشَتَتوا في بِلادِ الشَتات ...........
هنا ينتقل الكاتب لصورة أوسع لبيان الارتكاز الأساسي لهذا التداعي.
لكن عرض هذا على مفارقات بين أمثلة الوفاء لعذراء فقدت خطيبها وحزنها، وبين عائلة تحاول التماسك والوقوف بعد الطعن بسبب خيانات الزوج، وتظهر أخلاق الزوجة في التحمل ومحاولة الحفاظ على شكل زوجها الخائن أمام المجتمع.
ومثال من نوع آخر يسودها الوفاء والمودة والتراحم، لكن الظروف والزمن دفعهم للاغتراب، مما أدى إلى فقدان ليس الزوج، لكن الأبناء.
وهنا يرجع سبب الانفتاح المفاجئ، مما أدى إلى حدوث فجوة في التعامل والوعي، وعدم قدرة الوالدين على السيطرة على ذلك وسط هيمنة المجتمع الجديد وعروض الحريات الوهمية، وكذلك بسبب التطور والحداثة الذي أخذ الأبناء وباعدهم.
هنا الشاعر أخذ على عاتقه مشكلة الاغتراب وتداعياتها على العائلة العربية المحافظة، وما يسببه الانفتاح الغربي وتأثيره عليهم.
ونهاية الخاتمة:
صارَ في قُلوبِ الناسِ ، كُلَ الناس مَجالِسُ دائِمَةٌ ، مَجالِسُ عَزاء.
جاءت الخاتمة موجعة مؤلمة للجسد الذي لا يزال يحمل ضميرًا وروحًا إنسانية، في جعل العزاء قائمًا ومستمرًا في نفوس من يعرف معاني الألم والمفارقات المجتمعية لحال بلداننا الجريحة، التي عرفت معنى تغير نواتها الأساسية بين تغير الضمير، وبين الاغتراب المفروض، وبين صعوبة التعامل مع المتغيرات وفرض التعامل معها.
الخلاصة والرأي الخاص:
كما أدليت لكم بتفاصيل القصيدة وأبعادها، كانت قصيدة جميلة برغم السواد الذي فيها، جميلة بصدق ما طرح فيها من واقع نعيشه من تغير معايير أساسية وفي صميم تكوين المجتمع، تغيرت، فأصبحنا أغرابًا في مجتمعنا، وأغرابًا في بقاع الأرض التي فُرض علينا العيش فيها.
هنا عرض مفارقات بشكل جميل، جعل الشاعر المجتمع والأسرة المحور الأساس في القصيدة، ومع التغير صنع لنا
