رؤية نقدية بقلم الناقدة منال العبادي
مابين حالة وجودية تنطلق من نفي الوجود
وادراك حسي مستحيل وذات مضطربة
(ثلاثية الفراغ والصمت والشك الجسدي)
كتب علي شنينات
"لا شَيءَ !
فَقَطْ كَانَ صَوْتُ اللّاشَيء
وَأنَا أهُزّنِي فِي الفَرَاغْ..!!"
يتميز هذا النص بتكثيف عال جدا، إذ يختزل في
ثلاثة أسطر حالة وجودية كاملة تنطلق من نفي الوجود ("لا شيء") مرورا بإدراك حسي مستحيل ("صوت اللاشيء") وصولا إلى ذات مضطربة تهز نفسها في الفراغ، وهذا التكثيف يخلق غموضا خصبا يفتح بابا واسعا للتأويل. أما من حيث الجزالة، فاختيار كلمة "اللاشيء" بتعريفها يحمل طابعا فلسفيا قويا، وتكرارها يخلق إيحاء دراميا، لكن صياغة الفعل "أهزني" (أي أهز نفسي) تأتي غير مألوفة في الفصحى وقد تبدو شاذة صرفيا، ولو صيغت "أهتز" أو "أرجي نفسي" لكانت أكثر جزالة، إلا أن الشاعر ربما تعمد هذا البناء الغريب للإيحاء بعنف الهز الذاتي والاضطراب الداخلي. أما المفارقة فتحضر بقوة عبر ثلاثة تناقضات مبدعة، المفارقة الكبرى في وجود "صوت" للاشيء، إذ الصوت يحتاج إلى مصدر واللاشيء لا مصدر له، ثم مفارقة الذات التي تهز نفسها في الفراغ وكأنها تحاول إحداث حركة حيث لا مقاومة، وأخيرا مفارقة نفي كل شيء "لا شيء" ثم الإقرار بوجود صوت، أي أن العدم نفسه صار مسموعا. وهذه المفارقات ليست سطحية بل جوهرية تذكر بفكرة "صمت الكون" وأدب العبث.
لذلك فهذا النص قوي في تكثيفه وعميق في مفارقاته الوجودية، لكن جزالته قد تكون تخلخلت قليلا في صياغة "أهزني"، ومع ذلك يصلح كتعبير شعري مكثف عن لحظة انهيار اليقين في وجود المعنى.
