كتبت : المهندسة شهد القاضي
في كل مرحلة تاريخية، تُختبر الأجيال بظروفها الخاصة، غير أن الجيل الشاب اليوم يبدو وكأنه يقف عند تقاطع طرق مزدحم بالأسئلة، مثقل بالتوقعات، ومحاط بخطاب واحد يتكرر بإصرار: اصبروا.. اصبروا على ضيق الفرص، على تعقيد الواقع الاقتصادي، على تأخر الاستقرار، على غموض المستقبل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بجرأة وهدوء في آنٍ واحد:
هل بالغنا في مطالبة الشباب بالصبر؟
لا جدال في أن الصبر قيمة راسخة في الوجدان الأردني، وركيزة أخلاقية متجذرة في الثقافة والدين والتجربة الوطنية.. غير أن الصبر، حين يتحول من فضيلة تمنح الأمل، إلى خطاب يُستخدم لتبرير الجمود، يفقد معناه الأصيل، ويصبح عبئًا نفسيًا لا طاقة للإنسان به.
الشباب الأردني لم يكن يومًا عابرًا أو هامشيًا، بل كان دومًا في قلب المشهد؛ يعمل، يتعلم، يحلم، ويحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم في وطن يعتز به ويؤمن به.. لكن هذا الجيل تحديدًا، وُلد في زمن تتسارع فيه التحولات، بينما تبقى بعض المسارات بطيئة، فينشأ التناقض، ويتراكم الإرهاق.
ليس صحيحًا أن الشباب يرفضون العمل، ولا أن طموحاتهم وهمية أو غير واقعية.. كثيرون منهم درسوا، اجتهدوا، حصلوا على مؤهلات عالية، بل وراكموا مهارات متعددة، ومع ذلك وجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة، أو مسارات لا تشبه أحلامهم الأولى.
هنا، يتسلل الإحباط بصمت.. ليس إحباطًا صاخبًا، بل إرهاق داخلي، شعور بأن الجهد لا يُكافأ دائمًا، وبأن الصبر يُطلب منهم أكثر مما يُطلب من الظروف أن تتغير.
الواقعية مطلوبة، نعم.. لكن الواقعية شيء، وكسر الروح شيء آخر.. حين يُقال للشاب مرارًا: “هذا واقعك... تقبّله”، دون أن يُفتح أمامه باب أمل، أو يُشرك في صياغة الحلول، يصبح الصبر أقرب إلى الاستسلام، لا إلى الحكمة.
الجيل المُنهك لا يطلب المعجزات، ولا ينتظر وعودًا فضفاضة، بل يبحث عن: مسار واضح، عدالة في الفرص، تقدير للجهد، وإحساس بأن صوته مسموع، حتى وإن لم يُلبَّ كل ما يريده.
في الأردن، التحديات حقيقية، والظروف الإقليمية معقدة، والموارد محدودة.. هذا واقع لا يمكن إنكاره.. لكن ما لا يقل أهمية، هو أن الأردن يملك رأس مال بشري هائل، شبابًا واعيًا، مثقفًا، قادرًا على الإبداع متى ما وُجدت البيئة الحاضنة.
الاستثمار في الشباب لا يكون فقط عبر الخطاب التحفيزي، بل عبر: سياسات تُنصت قبل أن تُقرر، مساحات تُشرك الشباب في الحل لا في الانتظار، وإيمان حقيقي بأن الصبر يجب أن يكون مرحلة انتقال لا حالة دائمة.
يصبح الصبر عبئًا حين يُطلب من طرف واحد فقط.. وحين يُقدَّم كبديل عن التخطيط.. وحين يُستخدم لتسكين الألم بدل معالجة أسبابه.
الشباب لا يرفضون الصبر، لكنهم يرفضون أن يكون الصبر هو الإجابة الوحيدة، والملاذ الأخير، والوصية المتكررة دون أفق زمني.. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة الخطاب الموجّه للشباب: خطاب يعترف بالتحديات دون تهوين، ويقدّر الصبر دون تمجيد المعاناة، ويؤمن بأن التعب ليس ضعفًا، بل إشارة تستحق التوقف عندها.
جيل اليوم لا يريد أن يُدلّل، بل أن يُفهَم.. لا يطلب اختصار الطريق، بل أن يكون الطريق واضح المعالم، حتى وإن كان طويلًا.
الصبر قيمة عظيمة، لكنه لا يكفي وحده لبناء مستقبل.. ما يحتاجه الجيل المُنهك اليوم، هو توازن عادل بين الصبر والعمل، بين التحمل والتغيير، بين الواقعية والطموح.
فالسؤال ليس:
هل الشباب قادرون على الصبر؟
بل:
هل نحن قادرون على ألا نحمّلهم أكثر مما يحتمل الصبر نفسه؟
