القاص : حسين بن قرين درمشاكي
مجرى الريح
فَرَّ من زحامِ العابرين.
أوصدَ نوافذه بإحكام.
توهّم أنَّ الجدران حارسةٌ لهويته.
نبت خذلانُه من عُمقه.
انبعثَ من شقوق ذاكرته غبارُ ندمه.
عَبَرَتْ هي.
فاحت منها رائحةٌ كأنفاسِ مقابرَ مهجورة.
انمحت قسماتُه.
امتصت لمستُها ظلالَه.
صرخ بصوتٍ مخنوق:
— من أيِّ ثقبٍ سرقتِ تفاصيلي؟
تبسّمتْ ملامحُها.
قالت بنبرةٍ هزّت أركانه:
— أيها الأحمق.. الثقبُ هو أنت!
انهار.
تداعى ضجيجُه.
تحسّس أطرافه.
أدرك أنَّ الحكاية استحالت وعاءً نغلقه..
هي مجرىً للريح؛ وُجِدت لتعبر.
مدارُ الصفر
سحبَ بساطَه..
قال: ارتطمي!
هوتْ.
في منتصفِ السفر، أفلتتْ جلبابَ اليقين.
حرّرتها الجاذبية.
فرّتْ توغلاً في مسامّه.
لم يكن أرضاً للسقوط؛ استحال فراغاً يبتلعُ جهاتِ الرحيل.
هندام
شحذَ القاضي سكّينَه.
قطّعَ الأوطانَ حصصاً.
مَسحَ نصلَهُ بحقوقِ الإنسان.
غمرَ الدمُ حذاءَهُ.
احتجّتِ الجثّةُ.
عدلَ ربطةَ عُنُقِهِ.
مضى.
بَتْر
تَحسّسَ رِوايَتَهُ الضَّخمة؛ سِتُّمِائةِ صَفحةٍ تَقْطُرُ لُعاباً.
أَمسكَ مِشرَطَهُ: قَشَّرَ الصِّفاتِ، بَتَرَ الشَّرحَ، ونَفَضَ غُبارَ المَجاز.
في النِّهاية...
لم يَبقَ على الورقةِ إلّا نُقطةٌ واحدةٌ.
وَضَعَ عَيْنَهُ عليها، وبَكى.
خَرَسُ الطِّين
بذلا مهرَ الشيخوخة لترميم جدار البيت المتآكل؛ طلاءً جديداً يليقُ بلقاء الغياب.
أطلَّ الفجر.
نسيَ الابنُ وجهيهما على العتبة.
حملَ الجدارَ.
رمّمه في دار العجزة.
عُزلة الميزان
أمام لوحتهِ الأخيرة، وقفَ مرتجفاً. شكهُ يطرقُ بابَ يقينهِ، والريشةُ في يدهِ مرآةٌ لوجهٍ استحالَ غريباً.
استحضرَ مسطرتهُ. قايضَ نبضه بالأرقام. حسبَ زوايا الضوءِ بصرامةِ الرياضياتِ. خبا وهجُ الألوانِ؛ بدت جثثاً هامدة. انكسرَ الميزانُ يائساً.
سقطت دمعةٌ واحدة.. مسحت استقامةَ الخطوطِ، فتشكّلت اللوحةُ.
حين تزاحمَ القراءُ، لم يبحثوا عن هندسةِ الرسمِ؛ تسللوا عبرَ ذلكَ الجرحِ الذي نفذت منهُ القصةُ إلى أرواحهم.
مَـزَاد
يُحكمون إغلاق النوافذ بمساميرَ صدئة. يطفئون المصابيح في غرف الجيران؛ ثم يتقاضون ثمن الظلام من الغريب الواقف خلف الباب.
على طاولة المفاوضات، يتقاسمون خريطةً لا تنزفُ إلا دمًا. جفت المحبرة. غمسوا ريشة الوطن في جرح المسافات.
في الصباح، أطلّوا عبر الشاشات بوجوهٍ مَسحوقة، يوزعون على الشعب مناديل للبكاء... بينما مفاتيحُ البيت تتدلى من جيوب الغرباء!
عالقـة
خلف جدار الصمت، كانت تلملمُ سوادها.
ظلالٌ نبتت من الحائط كأشواكٍ بشرية. غرزت مخالبها في كتفيها. همست بضجيج الراحلين.
ببترٍ حاسمٍ للذاكرة.. قفزت نحو الضوء.
سقطتْ.
لم ترتطم بالأرض. وجدَت ثوبها يترنح فارغاً في الهواء..
بينما نبتت هيَ.. يداً سوداء إضافية على ذلك الجدار.
فخُّ الضوء
ضجّت القاعة.
وجهٌ باهر، ملامح ناضحة بالثقة، وبشرة نُسجت من ضياء.
صفّق الجمهور للزيف المُتقَن، وبارك النقاد دقة الحبر.
في الليل، خلع الرسام نظارته.
بصق، انتحب، ثم مزّق القماش الفاخر.
أعملَ إزميله في الصمت؛ لم ينحت وجهاً، بل حفر ثقباً أسود يبتلع الضوء.
صباحاً، تجمّدوا أمام الإطار المذبوح.
ارتفع لغطهم: جُنَّ الرسام.. أين الملامح؟
مغادراً، تمتم:
"الملامحُ طينٌ حجبَ البصيرة.. رسمتُ المقصد".
