عُزلة الماء


زاهر الأسعد - فلسطين

​المطر

ليس انسكاباً للماء من شهقة السماء

المطر ذاكرة الأرواح

حين تتوضأ بالغياب

حنين سرّي يسكن مسام الأرض

​أقف الآن

أستنشق رائحته كأنني أستعيد وجوهاً

غارت في الضباب

أسترد أصواتاً ما زال رنينها

يقض مضجع الصمت

​أرى عجوزاً جارةً لنا تردد

عزك يا عزيز

وكأن المطر ليس غيثاً

بل عهد مع الوجود

يقول إن الماء كرامة الفقراء

حين يفتح لهم باب المسافة حضوراً


​المطر

به أشعر أنني سُؤال يرفض الإجابة

بين برق يفتح رئة النور

ورعد يعلن مَخاض الأرض من جديد


​المطر

يذكرني أن الطفل فيَّ لم يزل يقظاً

يرى في كل قطرة معنى أزلياً

يمد ذراعيه

ليحتضن مساحة الدهشة


​المطر

أنين ينبثق من المزاريب

كحناجر طيور مَبحوحة

يدا أمي المحمرتان وهي تَلُمُّ الغسيل

كأنها تَلُمُّ شتات قلوبنا من المنافي

​أبي الذي كان يَمَسُّ الطين

كأنما يلمس جسد الذاكرة

فتنهض العصافير بترتيلتها الأولى

​وجدتي التي كانت توصد باب الحظيرة

كأنها توصد ثُقْب الغياب


​المطر

ليس حدثاً عابراً بل سِفْر مفتوح

على صفحة الأبد

قصيدة بلا أبجدية

يقرؤها من رفع رأسه وأغمض حواسه

​حضور خفي

يخبرني أنني لم أزل حياً

حين أتنفس خِلسة

وأشارك الأرض أنينها البكر

​المطر يطل بي على فراغ لا ينتهي

كأنني سؤال يكتب نفسه

بحبر السماء الصامت

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology