المهندسة شهد القاضي
مرت سنوات طويلة بعد اختفاء الطفل، حتى غطّى الغبار أبواب البيت، ونبت العشب على عتباته.. صار الناس يمرّون بجانبه بخوفٍ مكتوم، يتهامسون أن الأرواح ما زالت هناك، وأن المرآة تنتظر وجهاً جديداً.. لكن لم ينتهِ الأمر.
في عام 2022، جاءت مجموعة من طلاب الهندسة المعمارية لتصوير مشروع وثائقي عن “البيوت المهجورة في الشرق القديم”، وكان ذلك البيت أول أهدافهم... دخلوا وهم يضحكون، يحملون الكاميرات والمصابيح،
غير مدركين أن الضوء لا يُطفئ الظلام... بل يستفزه.
كانت “هالة”، قائدة الفريق، أكثرهم شجاعة.. كانت تؤمن أن الرعب مجرد أثر نفسي، وأن كل بيت مهجور يمكن تفسيره بالعِلم.. لكنها ما إن صعدت إلى الطابق العلوي، حتى شعرت أن الجدران تتنفّس.. نظرت إلى أحدها فرأت أن الطلاء يتحرّك ببطء، كأن تحت السطح شيئًا ينبض.. قال أحد الطلاب ضاحكًا:
"ربما البيت حيّ يا هالة!"
ابتسمت نصف ابتسامة، لكنها كانت تشعر فعلاً أنه كذلك.. ثم وجدت الباب... الباب نفسه، المغلق منذ قرن.
رفعت الكاميرا وقالت:
"سنوثّق لحظة فتحه، إنها لقطتنا الذهبية"
وحين فتحت الباب،
هبّت من الغرفة رائحة صدأٍ ودمٍ قديم... في الداخل المرآة ما تزال هناك، وقد غطّاها الغبار، لكن وسطها كان نقيًّا تمامًا،
كأن أحدهم ينظفه يومياً من الداخل.
اقتربت هالة... رأت انعكاسها أولاً، ثم بدأ الزجاج يتموّج.. ظهر خلفها رجلٌ عجوز بثياب رمادية، ذاتها التي وصفها شهودٌ قبل عقود... لكن هذه المرة، لم يكن صامتًا.. قال بصوتٍ ثقيل كالحجر:
"أنتم تُعيدون ما بدأته هي… وما قبلكم عشرات"
تراجعت خطوة، لكن المرآة سحبَت ظلها! ظلّها انفصل عنها ووقف أمامها، ينظر إليها بنفس ملامحها، لكنه مبتسم... أما الكاميرا، فقد بدأت تُسجّل وحدها مشاهد لم يروها:
وجوه كثيرة خلف الزجاج، بعضها مكسور، بعضها يهمس، وبعضها يُحاول الخروج.
صرخ أحد الطلاب:
"أطفئوا الضوء!"
لكن الضوء لم يُطَفأ... بل ازداد سطوعاً حتى غمر الغرفة كلها... وفي وهجٍ أبيضٍ خاطف، انطفأ كل شيء.
حين عادت الشرطة بعد أسبوع،
وجدت الكاميرا فقط.. وعندما شغّلوا التسجيل، كان الصوت الأخير الذي سُمع هو صوت هالة تقول همساً:
"البيت ليس ملعوناً… البيت واعي"
وفي نهاية الفيديو، انعكست صورة المرآة على العدسة، وفيها وجوه خمسة أشخاصٍ يبتسمون، ثم اختفى كل شيء، وبقيت الشاشة سوداء، لكن في الظلام، كان يُسمع صوت أنينٍ خافتٍ يشبه تنفّس الجدار.
يتبع.....
