محمد فتحى السباعى
أكتبكِ لا لأنقذكِ من الغياب،
بل لأنقذ الغياب من أن يصير عادة.
أكتبكِ وأنا أُدرِك أن اللغة ليست بيتًا،
بل حافةٌ…
ومن لا يحسن الوقوف على الحواف
يسقط في المعنى سقوطَ المطمئنّين.
أنتِ لستِ التي تُرى،
ولا التي تُخفى،
أنتِ ما يحدث حين تتعب الرؤية
وتستقيلُ الحواسّ من تمثيل الحقيقة.
لهذا لا أطلبكِ كاملة،
فالاكتمال خيانةٌ خفيّة،
وأنا لا أحبّ إلا ما يظلّ ناقصًا
كي أبقى حيًّا فيه.
■ هندسة الاحتراق ■
نحن لا نحترق لأننا نحبّ،
بل لأننا نفكّر أكثر مما ينبغي
في ما لا يُقال.
الجحيم ليس مكانًا،
هو فائضُ وعيٍ
لم يجد جسدًا يحتمله.
هم…
يعيشون في نتائج الأشياء،
ونحن نعيش في أسبابها،
لهذا يبدو نعيمهم جاهزًا
وجحيمنا مستمرًّا.
هم يطلبون السلام،
ونحن نطلب المعنى،
ولا صلحَ بين الطلبين.
■ بيان ضد الطمس ■
الطمسُ ليس حذفًا،
الطمسُ إعادةُ صياغةٍ قبيحة
لما لا يُراد له أن يكتمل.
وأنا لا أخاف الطمس
بقدر ما أخاف التهذيب الزائد
الذي يجعل الجريمة مقبولة.
أحميكِ لا لأنكِ هشّة،
بل لأن العالم يتغذّى
على ما لا يستطيع فهمه.
أضمّكِ إلى النص
كما يُضمّ الجرحُ إلى الهواء:
كي لا يتعفّن في الصمت.
■ الأنوثة كمعرفة ■
أنتِ الأنوثة
حين تكفّ عن كونها جسدًا
وتصير طريقةً في الفهم.
أنتِ القصيدة
حين ترفض الزينة
وتختار الصدق العاري.
لهذا أسمّيكِ
ولا أشرحكِ،
أشير إليكِ
وأترك اللغة تتعثّر،
فالتعثّر أصدق
من الوصول السهل.
سؤال بلا أداة
لا أسأل: متى نصل؟
فالذين يسألون متى
يريدون نهاية.
أسأل:
كيف نبقى
من دون أن نصبح نسخة
مما نكرهه؟
إن كان في كلامي انحراف،
فهو انحراف نحو الجوهر،
وإن كان فيه قسوة،
فهي قسوة من يرفض
أن يُحبّ بنصف وعي.
إيماءة أخيرة
أومئ لهم… نعم،
لكن لا لأُطمئنهم،
بل لأتأكّد
أنني لم أعد واحدًا منهم.
ويا أبا الطيب،
لم تُفسدنا،
أنت فقط كشفت
أن الكبرياء معرفة،
وأن الوقوف وحيدًا
أشرف من التصفيق في القطيع.
