.
(1)
أَمي… أيُّ قلبٍ يَحملُكَ بينَ ضلوعِه؟
أم أَنتِ البُعدُ الذي يَسكنُهُ الحنينُ بلا موعدٍ؟
أَقفُ أمامَ صورتكِ في الغُرفةِ الفارغةِ،
وكأني أقرأُ اسمَكِ على جدارِ الروحِ،
حروفٌ لا تَسقطُ، ولا يَهدأُ صَدى رنينها.
(2)
تَظلّينَ هناكَ…
في نَفَسِ الزمانِ المبعثرِ على أرصفةِ العمر،
في ظلِّكَ يَرتاحُ الجسدُ، ويَحسُّ القلبُ بالدفءِ،
حتى وإن غابتِ الأيّامُ…
حتى وإن غابَتِ الدُّنيا.
(3)
أَحاولُ أن أَلمسَ يديكِ،
فتَرتدُّ الذكرياتُ،
كأنها طيورٌ حائرةٌ تبحثُ عن عشِّها،
تَتوقُّ إلى دفءِ حِنانٍ يَملأُ الفراغَ بينَ الكُتُبِ واللحظاتِ الضائعةِ.
(4)
أَمي… كم تَعلمينَ من الأسرار؟
كم حملتِ من صرخاتٍ لم تُسمع،
وكم ضحيتِ بصمتٍ مُستمرٍّ،
لتبقى روحي صافيةً، ولتبقى أيامي خفيفةً…
وحتى دموعي لم تَجفّ في ظلالِ حضوركِ.
(5)
في الليل، أَرى وجهكِ في القمر…
أَنتِ الحارسُ الخفيُّ لكلِّ ألمي،
والشِفاءُ لكلِّ جرحٍ لم يجرؤ أحدٌ على لمسه.
تتسربُ كلماتكِ إلى داخلي،
مثلُ نهرٍ لا يُجفّ، يَغسلُ الحيرةَ، يَطهرُ الأسى.
(6)
وإذا رحلتِ…
ستظلُّ أصابعكِ على كتبي،
ستظلُّ ضحكتكِ معلّقةً في الهواء،
ستظلُّ الروحُ تبحثُ عنكِ في كلِّ شيءٍ…
حتى عن نفسي.
(7)
أَمي… لم تَكنِ مجردَ جسدٍ يُحمل،
ولا مجردَ صوتٍ يَرشد،
أَنتِ كلُّ خيطٍ يَجمعني بالعالم،
كلُّ نغمةٍ تَهدي لي الصباح،
كلُّ سرٍّ يَحمي قلبي من الانكسار.
(8)
أنا أكتبُكِ لأنّي أَحتاجُ إلى الدَّموع،
وإلى الكلام، و…
إلى المكان الذي لا يمكن أن أَستعيده إلا بكِ.
فكم مرةً أَناديكِ في صمت،
وكم مرةً أَتعلّم أن أَحمل فراغكِ،
وأجعله وطنًا داخليًّا، لا ينهارُ أبدًا.
(9)
أَمي… لو كانت الكلماتُ قادرةً على إرجاعكِ،
لكنتُ قد أَحياكِ الآن بينَ صفحاتي،
لكنتُ قد جَعلتُكِ حضورًا حيًّا في كلِّ شعرةٍ من شعري،
لكنتُ قد بَعثتُكِ… في كلِّ نفسٍ أخذه، وفي كلِّ قلبٍ أحبَّه.
(10)
لكن… رحلتِ عن الجسد،
وظلتِ الروحُ وحدها تُعلِّمني الصبر،
وتُعلِّمني كيف أَحملُكِ في داخلي،
كيف أَحتفلُ بكِ في صمت،
وكيف أَصنعُ من غيابكِ صمتًا يَحملُ كلَّ الدفء الذي كان في يديكِ.
(11)
سلامٌ عليكِ… أَمي.
سلامٌ لكلِّ دمعةٍ أَسقطتها على كتفيكِ،
لكلِّ دفءٍ أعطيته بلا مقابل،
لكلِّ صمتٍ كانَ مُلككِ وحدك.
أَنتِ الوطنُ، والطفلُ، والسماءُ…
أَنتِ كلُّ ما أَستطيع أن أُسميه حُبًّا بلا نهاية.
