ليالي يناير الجميلة

 


كتبت :  هيا برماوي 

 

ليلةُ شتاءٍ باردة.

خرجتُ من المنزل، وكانت الساعة تشير إلى منتصف الليل.

إنارةُ الشارع خافتة، أشاهد من خلالها قطرات المطر تنهمر بخفّة.

شعورٌ جميل حين يداعب المطر خصلات شعري، وينهمر على وجنتي، ويمرّ بقلبي ماسحًا عنه أحزان وتراكمات الأمس.

كم هو جميل المطر. رحيمٌ أنت يا الله، تعلم ما بداخلنا، فتغسل أوجاعنا وهمومنا بماءٍ عذبٍ يشفي الروح.


التفتُّ خلفي فرأيتُ اثنين من العشّاق يركضون تحت المطر، ضحكاتهم تملأ المكان بالفرح.

في هذه الأحياء الجميلة، الناس لا تختبئ من الشتاء، بل ينتظرون هطول المطر ليخرجوا من بيوتهم فرحين، ويتوجّهون إلى المقاهي ليستمتعوا بليالي الشتاء الجميلة.


توجّهتُ إلى مقهى يبعد قليلًا عن المكان، فأنا بطبعي لا أحبّ الازدحام.

كان المقهى في غاية الجمال، يشعرني وكأنني عدتُ إلى الزمن الجميل.

جلستُ بقرب مدفأة حطبٍ توسطت المقهى، جفّفتُ نفسي جيدًا، وكنت أراقب الشوارع والمارّة من النافذة بتمعّن.


بعد قرابة نصف ساعة، طلبتُ من النادل أن يحضر لي كوبًا من القهوة.

فتحتُ حقيبتي وأخرجتُ منها رواية فيودور دوستويفسكي (الليالي البيضاء).

قصة قصيرة تُعدّ من أوائل أعمال دوستويفسكي، نُشرت للمرة الأولى عام 1848.


كنتُ مستمتعةً جدًا في عزلتي.

أنهيتُ الرواية عند المشهد الأخير، وقرأت:


“بقيتُ طويلًا هناك، أتابعهما بنظراتي…

وأخيرًا، غابا معًا عن بصري…

تُرى، كيف يشعر من تعلّق قلبه بإنسان، ثم أدرك أنه لم يعد له، وللأبد؟”


فيودور دوستويفسكي – الليالي البيضاء


أغلقتُ الكتاب، وانهمرت دموعي رغمًا عني.

وبقي سؤالٌ في ذهني: لماذا هناك ذكريات لا تُنسى، ولو مرّ عليها ألف عام؟


كان الليل طويلًا شديد السواد.

تذكّرتُ مقولةً أخرى لدوستويفسكي يقول فيها:


“كلما كان الليل أظلم، كلما كانت النجوم أكثر سطوعًا.

كلما كان الألم أعمق، كان الله أقرب.”


لم أرغب في المغادرة، كان المكان جميلًا ساحرًا.

نسمات الهواء الباردة تداعب وجنتي من حينٍ لآخر، وصوت النيران وهي تلتهم الحطب يضيف جمالًا فوق جمال المكان.


لا أدري كم من الوقت قضيته هنا، كنتُ أدرك أنني في النهاية سوف أرحل.

طلبتُ من النادل الحساب، فتقدّم إليّ، وبيده ورقة، وضعها على المنضدة ورحل بهدوء.


فتحتُ الورقة بقلق، فوجدتُ مقولةً لدوستويفسكي:


“انعزل قدر ما تشاء لتصبح أقوى،

مهما رأيت من الوحدة جحيمًا لا يُطاق،

فهي أفضل بكثير من الأقنعة المتعدّدة للبشر.”


دوستويفسكي


وكأنّ ذلك الشخص كان يراقبني، وكأنّه قد علم بما بداخلي.

نظرتُ إليه وابتسمتُ في وجهه.


نهضتُ من على المنضدة، وخرجتُ من المقهى بهدوء.


كانت هذه ليلةً قضيتها من ليالي يناير الجميلة..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology