بقلم/ نجلاء علي حسن
في قريتنا،
يعربدُ الشجنُ مساءً
على شفاهِ نايٍ حزينٍ،
نبتت قصبتُهُ
في ضفافِ الفراتِ..
يستندُ عليها القلبُ،
وقتَ يسيرُ حافيًا
على جمرِ الفراقِ..
يرددُ عويلًا سومريًا،
ينعي من رَحَلَ،
ومازالَ يجري في الوريدِ..
بسوقِ العذابِ، ينادي الشوقُ:
من يشتري دمعَ عينٍ
غرقت بالدموعِ؟
من يشترى نبضَ قلبٍ
يحرقُ في الضلوعِ؟
من يخرجُ الموتى من قبورهم،
ويتلو لعناتَ العشقِ،
لتعودَ أرواحهم للحياةِ؟
من يرشو الحارسَ الأعمى
بعملةٍ فضيةٍ،
لينقلني للجانبِ الآخَرِ
من نهرِ العويلِ؟
من يقصُ أجنحةَ الليالي،
ليقصُرَ ليلها الطويل؟
النهرُ جامحٌ والقلبُ عليلٌ..
وقاربي يتكسرُعلى ضفةِ الألمِ،
في ليلٍ غرقَت نجماتهُ
قبلَ الرحيلِ..
هنا على ضفةِ الفراتِ،
تُنبِتُ الأحزانُ التي
رضعناها من أمٍ سومريةٍ،
ناياتٍ تغني،
وتُفطَمُ ذاكرتنا على:
أن الفراقَ هو القدرُ،
أن البكاءَ هو الأملُ،
أن العويلَ هو الغناءُ.
والترانيم الجنوبية
صلاةً وقرابينًا،
وأنشودةً يغنيها الغجرُ
عن حبٍ تاهَ
في مواسمِ الضجرِ.
أحبكَ بقلبٍ سومريٍ،
وسحرٍ بابليٍ،
وعشقٍ يطرقُ الأبوابَ
الحزينةَ في مدينتنا،
يستدعي عرافةَ أوروكَ
التي تنتحبُ
وتتلو بالهمسِ المبجلِ،
صلواتَ المحبةِ بتعويذةٍ
تفتحُ كل الأضرحةِ.
من يمنح قلبي الغفران؟
من يمنحه البركة فورًا،
أو اللعنةَ فورًا،
أو تذكرةً لنسيانِ
سباقِ الخيباتِ الممتدةِ
من المهدِ إلى اللحدِ،
ليبقى تائهًا في اللامكان؟
يا أرضَ أوروكَ الحزينة،
أين العراقي الذي،
أضاعَ بوصلةَ العشق
وذابَ مع الفرات؟
أيتها العرافات،
أوقفنَ ضجيجَ قلبي الذي
يبحثُ في وجوهِ المارةِ،
عن فتىً سومريٍ يدمنُ الغرقَ..
أوقفنَ أوراقَ الأشجارِ
عن السقوطِ
في عمقِ اصفرارِ الخريفِ..
أوقِدنَ قناديلَ المحبةِ:
كي لا نتوهَ
في دروبِ المدنِ الحزينةِ،
وعتمةَ القصصِ اللامنتهيةُ
في حنايا الأهوار..
انزعنَ القصباتَ من ضفةِ النهرِ،
واصنعنَ ناياتٍ تعربدَ بصمتٍ
ينعي ضجيجَ الخفوتِ،
لعتمةِ صبحٍ ينقشعُ
عند نطقِ اسمهِ
المكتوبُ على كفِ يدي..
في قريتنا،
محى المطرُ
كل أسماءِ الشوارعِ والدروبِ،
ولم يمحُ الحزنَ بقلبي!
بركاتُ السماءِ،
تُمنحُ للعصاةِ، وتغفرُ ذنوبهم،
فلم لا تُمنحُ لقلبٍ
"حتى بعدَ موتكَ"
غرقَ ذنبًا،
في عمقِ محبتك.
