في البدء كان العرب الجزء الثاني عشر

 



د. عبدالعزيز اللبدي


ملخص مقالة: أصل شعوب جنوب غرب آسيا (الأفروآسيويين/الساميين)أولاً: النظريات الحديثة حول أصل الشعوب الأفروآسيوية (السامية)


تطرح المقالة عشر نظريات مختلفة لأصل الشعوب التي تنتمي إلى المجموعة اللغوية "السامية"، والتي تُصنف حديثاً ضمن العائلة الأوسع "الأفروآسيوية" (حسب تصنيف غرينبرغ) لانتشارها في قارتي أفريقيا وآسيا. تشمل هذه النظريات أصولاً متنوعة من الجزيرة العربية واليمن وبلاد الرافدين وبلاد الشام وحتى أوروبا.1. فرضية الأصل الأفريقي والهجرة المزدوجة


تُرجح النظريات الحديثة أن سكان الجزيرة العربية، والساميين بشكل عام، أتوا من مصدرين رئيسيين في أفريقيا، مع الاعتراف بأن أصل اللغات الأفروآسيوية هو شمال أفريقيا:

الطريق الجنوبي (باب المندب وشرق أفريقيا): تُشير إليه الأبحاث الداعمة لـ "نظرية الخروج من أفريقيا"، وتؤيده علاقة اللغات المتقاربة (الفرع السامي من الأفروآسيوية). يتبنى هذه الفرضية العالم الألماني ثيودور نولدكه الذي رأى أن أصل الساميين جاء من شرق أفريقيا نتيجة للتشابه "الإثنولوجي" والجسماني، خاصة بين ساميي جنوب الجزيرة العربية (اليمانيين) والسكان الأفارقة، بالإضافة إلى الترابط بين اللغتين السامية والحامية. يُزعم أن المهاجرين سلكوا طريق باب المندب لدخول اليمن (العربية السعيدة) ومنها انتشروا.

طريق الشمال (سيناء والصحراء الكبرى): أتت هجرات عبر سيناء من الصحراء الكبرى بعد جفاف ما يُسمى "الهلال الخصيب الأفريقي". هاجر جزء من هؤلاء "الصحراويين الأوائل" (الذين أسسوا الحضارات النوبية والمصرية والكوشية والأثيوبية) إلى الشرق الأوسط.

2. الوطن القديم والهلال الأفريقي الخصيب


يشير وينترز إلى أن الوطن القديم للسومريين والمصريين والدرافيديين والعيلاميين كان هو "الهلال الأفريقي الخصيب".

الصحراويون الأوائل (الكوشيون): عاش هؤلاء "الصحراويون الأوائل" أو الكوشيون في مرتفعات فزان بليبيا ومرتفعات الهُجّار بالجزائر حتى بعد 4000 ق.م. ويُعتبرون المصطلح العام للمجموعة التي ضمت أيضاً أسلاف الناطقين بالدرافيدية (البروتو-صحراويين) في الصحراء شمال أفريقيا (بين 6000 و 9000 ق.م).

الانتشار العرقي والثقافي: كان الدرافيديون الأوائل مستديري الرؤوس المتوسطيين، ثم ظهر "المتوسطيون القفصيون" حوالي 7000 ق.م. ازدهرت هذه المجموعة وانتشرت في منطقة تمتد من أقصى الشمال الغربي لأفريقيا وصولاً إلى وسط أفريقيا وجنوب شرق آسيا وبلاد الرافدين ووادي السند، ما يؤكد أن مؤسسي حضارات مصر القديمة وسومر ووادي السند كانوا من النوع المتوسطي.


ثانياً: الطرق المحتملة للهجرة خارج أفريقيا


تُعدّ مسألة توقيت انتشار "الإنسان الحديث" خارج أفريقيا سؤالاً أساسياً. تشير الدلائل إلى وجود طريقين رئيسيين محتملين لدخول الإنسان العربي إلى آسيا:1. الهجرة عبر شمال أفريقيا (طريق سيناء)


تؤكد الشواهد الجيولوجية أن الصحراء الكبرى، وخاصة الصحراء الليبية، كانت في عصر البليستوسين أقل جفافاً وتزخر بالنباتات والحيوانات الضخمة (مثل المستدون والفيل والزرافة)، وهو ما يدل عليه بقايا العظام والرسوم الصخرية التي عُثر عليها.

جفاف الهولوسين والهجرات: بدأ عصر الهولوسين (قبل 10 آلاف سنة) بتزايد الجفاف في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، مما أدى إلى تكون الصحاري الحالية. هذا الجفاف دفع الإنسان والحيوان إلى الهجرة والانقراض النباتي.

الحزام الصحراوي: يمتد هذا الحزام الصحراوي من الصحراء الكبرى في الغرب مروراً بالصحراء الليبية والنوبة ومصر وصولاً إلى الصحراء العربية، ثم شرقاً عبر بلاد الشام والعراق وإيران لينتهي في صحراء غوبي بالصين.

نظرية وينترز والكوشيون: تتوافق هذه النظرية مع فحص كلايد وينترز الجيني، الذي يدعم هجرة الكوشيين القديمة من أفريقيا إلى أوراسيا، ربما في الألف الرابعة قبل الحاضر، وتحديد انتشار الهابلو غروب (ر-م. 173) من النوبة إلى آسيا وغرب أفريقيا. كما تربط الأدلة اللغوية بين اللغات النيلية-الصحراوية والنيجر-الكونغو، التي يُعتقد أن متحدثيها نشأوا في المرتفعات الصحراوية (ليبيا والجزائر) قبل 12 ألف سنة وينتمون إلى الثقافة الأونانية.

2. الهجرة عبر باب المندب (الطريق الجنوبي)


تُشير البيانات إلى نزوح ساحلي سريع للإنسان الحديث عبر حافة المحيط الهندي منذ حوالي 60 ألف عام.

الدليل الأثري المبكر: تُظهر أدلة من جبل فايا في الإمارات العربية المتحدة وجوداً بشرياً خلال العصر الجليدي الأخير (منذ 115,000 سنة)، مع وجود أدوات لها صلات بالعصر الحجري الأوسط في شمال شرق أفريقيا، ما يشير إلى أن الهجرة إلى شبه الجزيرة العربية حدثت في فترات انخفاض مستوى سطح البحر وزيادة هطول الأمطار.

السومريون والهجرات المبكرة: يُرجح أن بعض هجرات البشر عبر باب المندب، كانت تستقر في الجزيرة العربية، وأسست حضارات مثل السومريين الذين استقروا في منطقة الخليج الفارسي الخصبة.

الصلة بالقرن الأفريقي:

أثبتت الحفريات في اليمن وظفار وجود أدوات حجرية مختلفة عن أفريقيا، لكن تحقيقات أخرى أظهرت كيانات حجرية في جنوب وشرق الجزيرة العربية تشبه أنماط شمال أفريقيا والعصر الحجري المتوسط لوادي النيل (مثل مجموعة أسفت في إريتريا)، مما يقترح توسعاً بشرياً رئيسياً في شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة النظائر البحرية الخامسة (130 ألف سنة).

يُفترض أن أجداد صانعي العصر الحجري المتوسط العرب نشأوا من النيل والقرن الأفريقي وانتشروا عبر الطريق الجنوبي (باب المندب).

كان هذا التواصل معروفاً لدى المؤرخين العرب، حيث ذكر ابن المجاور نقلاً عن أهل الأخبار أن أهل أفريقيا كانوا يعبرون إلى البر اليمني مشياً على الأقدام في الزمن القديم.

الخلاصة: توسعت مجموعات الصيادين/الجامعين من شرق أفريقيا إلى جنوب الجزيرة العربية خلال مراحل مناخية مواتية، ما غذى الحركات الديموغرافية في جميع أنحاء الحزام المداري.


ثالثاً: الجدل حول المشرق (الشام) ومركزية الزراعة


يطرح ميليتاريف فرضية مغايرة تشير إلى هجرة معاكسة من بلاد الشام، بناءً على تحليل الألفاظ الزراعية.

أسبقية المشرق الحضارية: يُعد المشرق أقدم حضارة زراعية وحجرية جديدة (نيوليثية) عرفها التاريخ. يشير البحث إلى أن الانقسام في اللغة الأولية المشتركة للعائلات اللغوية الكبيرة الثلاث (الأفروآسيوية، الصينية-القوقازية، النوستراتيك) ربما حدث أثناء الفترة النطوفية في فلسطين(قبل العصر الحجري الحديث).

هجرة الزراعة: يُفترض أن المجموعات التي تتحدث الشمالية الأولية (بروتو نوستراتيك) غادرت بلاد المشرق، بينما انتقلت المجموعات الناطقة بـ (سينو-قوقازية أولية) من بلاد المشرق إلى منطقة زاغروس بعد بدء الثورة الزراعية بفترة قصيرة، حاملة معها إنجازات الزراعة الأولية.

الخلاصة: تدل الأبحاث على أسبقية المشرق في التطور الحضاري (الزراعي) قبل أفريقيا، التي يُعتقد أنها لم تحتج للزراعة بفضل أجوائها المطيرة وثرائها النباتي والحيواني في سفانا الصحراء، وحين حدث الجفاف خرج البشر في بداية هجراتهم إلى أوراسيا. ومع ذلك، تبقى نظرية الهجرة عبر باب المندب (أرميتاج ومجموعته) سابقة لتطورات المشرق.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology