مهندسة شهد القاضي
يقولون إن الصبر فضيلة، وإن الاحتمال شجاعة، وإن البقاء رغم التصدّعات بطولة… لكنهم لا يخبرونك عن تلك اللحظة الخفية، الصامتة، التي لا يُسمع لها صوت، ولا يُرى لها أثر، حين ينتهي كل شيء دون إعلانٍ صاخب… حين لا ينكسر القلب، بل يهدأ… حين لا تُغلق الأبواب بعنف، بل تُترك مواربةً بلا رغبةٍ في العودة.
آخر مراحل الصبر على شخص… ليست غضبًا، ولا عتابًا، ولا حتى بكاءً مريرًا يُبلّل الوسادة في آخر الليل… بل هي برودٌ غريب، يشبه الغياب وهو حاضر، ويشبه النسيان وهو ما زال يتذكّر.. هي تلك اللحظة التي تتلاشى فيها الرغبة… لا في اللقاء فقط، بل في المحاولة… في التفسير… في إصلاح ما كُسر ألف مرةٍ ولم يُرمَّم إلا بالكلام.
أن تنعدم الرغبة… يعني أن القلب لم يعد يرى في القرب راحة، ولا في البعد ألمًا… أن يصبح وجوده كعدمه، وصوته كصمتٍ لا يُربك، وغيابه كفراغٍ اعتادته الروح حتى لم تعد تلتفت إليه.
في البداية، كنت تُحارب لأجل التفاصيل… لأجل كلمةٍ ناقصة، أو موقفٍ مؤلم، أو شعورٍ لم يُفهم كما يجب… كنت تظن أن الحب يُصلح، وأن النوايا الطيبة تُرمّم، وأن الوقت كفيلٌ بأن يُلين القلوب القاسية… لكنك مع الوقت، تكتشف أن ما يُرهقك ليس الحدث ذاته… بل تكراره… ليس الجرح، بل الإصرار عليه… ليس الخطأ، بل الاستخفاف به.
تُدرك أن الصبر حين يُصبح اعتيادًا على الألم… يفقد معناه، وأن التسامح حين يُصبح إذنًا بالاستمرار… يُهينك دون أن تشعر.. ثم، دون مقدمات واضحة، يبدأ الانطفاء… لا كعاصفة، بل كغروبٍ بطيء… يتسلل من أطرافك… من كلماتك التي لم تعد تُقال… من أسئلتك التي لم تعد تُطرح… من اهتمامك الذي لم يعد يجد طريقه إليه.
تُصبح أكثر هدوءًا… لا لأنك بخير، بل لأنك لم تعد تملك ما تقوله… لم تعد تُجادل، ولا تُفسّر، ولا تنتظر… كأنك سلّمت قلبك لليأس، لكنه هذه المرة لم يكن قاسيًا… بل كان رحيمًا بما يكفي لينهي هذا الاستنزاف الطويل.
في تلك المرحلة، لا تكرهه… ولا تحبه… لا تشتاق… ولا تبتعد… فقط… لا تشعر بشيء.. وهنا تكمن الحقيقة الأكثر قسوة:
أن الغضب دليل حياة… والحنين دليل ارتباط… أما اللامبالاة… فهي النهاية.
النهاية التي لا تُكتب بكلماتٍ كبيرة، ولا تُعلّق عليها لافتات الوداع… بل تُعاش بصمتٍ ثقيل… كأنك تُغادر غرفةً كنت يومًا تسكنها، دون أن تُطفئ الضوء… لأنك لم تعد تهتم إن بقي مضاءً أم لا.
لم تعد تسأل: لماذا فعل؟ ولماذا قال؟ ولماذا تغيّر؟
بل تسأل نفسك سؤالًا واحدًا فقط:
كيف سمحتُ لكل هذا أن يستمر كل هذا الوقت؟
وهنا، لا تعود الرغبة في الكلام معه موجودة… ليس لأنك عاجز، بل لأنك لم تعد ترى في الكلام جدوى… لأن كل ما كان يمكن قوله… قيل… وكل ما كان يمكن إصلاحه… أُهمل… وكل ما كان يمكن إنقاذه… تُرك يغرق حتى النهاية.
فتنسحب… لا كمن خسر معركة، بل كمن أدرك أن المعركة لم تكن تستحقه أصلًا.. وهذا الانسحاب… ليس ضعفًا كما يظن البعض… بل هو أرقى أشكال النجاة.
أن تختار نفسك… بعد أن أهملتها طويلًا.
أن تُنقذ قلبك… بعد أن استُنزف حتى آخر نبضة.
أن تُغلق الباب… لا لأنك تكره من خلفه، بل لأنك أخيرًا… أحببت من أمامه… نفسك.
آخر مراحل الصبر على شخص… ليست أن تبكي عليه… بل أن تتوقف عن البكاء… أن تتوقف عن المحاولة… أن تتوقف عن الانتظار… أن تُطفئ الرغبة… وتُدرك، بهدوءٍ لا يُصدّق…
أن بعض النهايات… لا تحتاج إلى وداع… يكفيها… أن تنتهي داخلك.
