الكاتبة رولا علي سلوم
قراءة في القصة القصيرة جدا ( خبر عاجل )
للكاتب السوري ( ياسر أبو عجيب)
نص القصة ( خبر عاجل )
من مخبئي؛ أشارتْ النهايات إلى السكينة، أرسلت قلبي مستطلعاً، عاد منهكا يتقافز
." شال أمك معلق ... "
الأكف الحمراء على الجدران لم تكن لأضاحي العيد.".
ياسر أبو عجيب/ سورية
*******************
القراءة :
خبر عاجل؛ عنوان موجز ملؤه التشويق والجذب، يعنون به الكاتب قصته القصيرة جدا، لنقرأ القصة بتلهف ومعرفة ماهو هذا الخبر العاجل ؟؟ يخبرنا الكاتب بدايةً بمكان وجوده" مخبئي "، والمخبأ يكون عادةً مكان الاحتماء من خوف أو موت، كما تومئ ياء المتكلم بشخصية بطل القصة ألا وهو السارد .
القصة يستهلها الكاتب موظفاً أسلوب الخطف خلفاً، فهو يصف النهايات وقد طغت عليها السكينة والهدوء، وهذا الهدوء لا يكون مطمئناً دائماً، فهناك الهدوء ماقبل العاصفة، وقد استشعر السارد شيئاً من هذا، فأرسل قلبه يستكشف الخبر، والقلب دليل الإنسان، فالمرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه، لكنّ القلب عاد متعباً يتقافز من هول الرؤية .. يستعير الكاتب لقلبه رجلين يقفز بهما، ولساناً يُخبر بما رأى،" شال أمك معلّق" .. حقاً المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. والأصغران هنا اجتمعا بالقلب، لقد ذاب القلب واللسان بقالب واحد .
ولعلّ كلمة " معلّق" تستحضر ذاكرتنا لفكرة " جديلة الفتاة " والتي كانت رمزاً للعرض والشرف والكرامة، فالشعر الطويل هو المحبذ والمرغوب به لدى العرب قديماً، تصنع الفتاة منه جديلةً تتباهى بطولها وبجمالها، خلاف الشعر القصير الذي لم يكن محبّذاً على الإطلاق، وعندما تتعرّض القبيلة لهجوم من قبيلة أخرى، كانت الفتيات تقصصن جدائلهن تعبيراً عن انتهاك أعراضهن، وتعبيراً عن تعرضهن للذل وللهوان. وقصة المرأة التي قصّت جديلتها مستنجدة بأبناء قبيلتها لنجدتها وتخليصها من الأسر معروفة عبر التاريخ .
لكنّ الكاتب يختار رمزاً آخر، وهو لا يقلّ جماليةً عن الجديلة، فالشال تضعه المرأة على كتفيها ليسترها ويغطي رأسها وجسدها، هذا الشال؛ شال الأم وُجد معلقاً، فأيّ حدثٍ مهولٍ تعرضت له تلك الأم ؟؟ !! .. إنه الانتهاك والاعتداء، ويؤكد ذلك وجود أكف حمراء على الجدران، فعلٌ بمنتهى الوقاحة والاستفزاز، فالمعتدي مجرّد من وازع الضمير أو الإحساس، وهو لم يألُ جهداً في اعتدائه ثم في التفاخر بهذا الاعتداء الفاحش، فالأكف الحمراء عادةً توضعان بعد ذبح أضاحي العيد، أو النذور التي يقوم الذابح أو الناذر للذبيحة بدمغ أكفه بدماء الأضحية ثم طبعها على الجدران أو على أشياء خاصة كالسيارة أو كالبيت، لحماية صاحب الملك من العين والحسد ومن كل ما يسبب له الأذية والضرر. لكنها هنا في القصة، تحولت هذه الأكف الحمراء إلى إيغال المعتدي المغتصب في فحشه واعتدائه، فألصق أكفه في دماء المرأة التي اعتدى عليها، ولصقها على الجدران افتخاراً ونشوةً لتحقيق فعله الشنيع... كلّ ذلك والابن في مخبئه كما أخبرنا السارد في بداية القصة، لقد نجح الكاتب في تشويق القارئ حقاً، عندما سرد القصة من نهايتها إلى بدايتها.. ليظهر لنا في نهاية المشهد شخصية ابنٍ ضعيفٍ ذليلٍ جبانٍ خاضعٍ مستسلمٍ، خالي الوفاض من العزة والكرامة والحميّة، لم يفعل شيئاً سوى أن اختبأ، ثم أرسل قلبه دليلاً ليعرف الحدث، ولم يفعل شيئاً مهماً يوازي فداحة الفعل الذي تمّ ألا وهو الاعتداء على أمه وسفك دمها رخيصاً .
وهذه الشخصية نموذجٌ موجود في حياتنا، إذ لا تخلو الحياة من وجود نماذج سلبية، كما توجد هناك أيضاً نماذج إيجابية ترفض ذلك، بل تنتقم وتأخذ بثأرها ولو لسنوات طوال، وقصة داحس والغبراء أو البسوس معروفتان عبر التاريخ .
استطاع الكاتب بمفاتيح محددة كالعنوان" خبر عاجل" أو شخصية واحدة " الابن" السارد، وكلمة " مخبئي" الدالة على المكان، والمفردات: " النهايات، السكينة، منهكاً، معلّق، الأكف الحمراء، أضاحي العيد" . كما تمكّن الكاتب ببراعة لغوية ودلالية أن يبدع في قصته رموزاً جديدةً مثل: شال معلّق، الأكف الحمراء على الجدران، أضاحي العيد .. ولعلّ هذه الرموز مستوحاة مما شهدناه في الحروب الأخيرة، حيث أصبح دم الإنسان مستباحاً بسهولة، وأصبحت المرأة تُسبى وتُقتل وكأنها أضحية من أضاحي العيد، وأضحى الجبن والخنوع والذل والهوان من صفات بعض البشر الذين تقاعسوا عن أداء واجباتهم نحو بلادهم. فتركوها ولاذوا بالاختباء، حتى أصبحت عرضةً للاستفزاز والاستباحة.
نصٌ جميلٌ أبدعه الكاتب " ياسر أبو عجيب"، مستمداً أفكاره من واقعٍ مؤلمٍ، علقتٔ صوره في ذاكرتنا وفي أعيننا، وبقالبٍ فنيّ معبّر، وبلغةٍ واضحةٍ سهلةٍ محمّلة بعاطفة جامحة بالحزن والألم والوجع استطاع الكاتب أن يؤثر فينا أيّما تأثير.
شكراً للأديب السوري " ياسر أبو عجيب" على هذا النص الجميل المبدع .
