رؤية نقدية بقلم منال العبادي

 




*نص بقلم مخلد بركات 

"حينما هتفت القبرة هناك..

سمفونية برية الله... في سفوح " وادي جريعة" المدفون فيها كنوز العثمانيين

بحسب المرويات الشفهية...

أخرج شبيهي ٱخر الرعيان الممسوسين بالثغاء..بتفاح المجانين؛ وصدى الوديان..أخرج جثة الجرو من قيعان الذاكرة..شمسها قليلا؛ أشاح بنظره للبعيد وباح:  مات عطشا قبل أربعين عاما..كفنته بالكوفية.. وحملته في خرج الحمار وصعدت المنحدرات..

لأدفنه في قاع خروبة في سفوح "وادي جريعة".

أي خطيئة اقترفت في بلاد الكنوز العظيمة؟!.

وكم من وقت يلزمني لأشمس مزيدا من خطايا في هذا العمر الذي يهرول في متاهات..كالجراء المذعورة؟!"


النص السابق لمخلد بركات يشكّل شظية مضيئة من أدب الجبال والذاكرة، يقيم جسراً بين الأسطورة والوجع اليومي، ينهض على ثنائيات متقابلة: الظاهر/المخفي، المقدس/المجنون، الماضي/الحاضر، ليرسم لوحة تأملية عن الخسارة والعبث، تكونت اللوحة من مكان وشبيه وجثة وزمن، وكأنها لوحة ثلاثية الأبعاد، فـ"وادي جريعة" ما هو إلا فضاء أسطوري وليس موقعاً جغرافياً فقط، بل متحفاً للاوعي الجمعي، حيث تختلط كنوز العثمانيين (المادية/التاريخية) بكنوز الذاكرة (المعنوية/الشخصية)، إذ تؤسس "المرويات الشفهية" لسلطة معرفية موازية للتاريخ الرسمي، أكثر دفئاً وأكثر هشاشة في آن، بينما يخلق "شبيهي الآخر" مسافة تأملية ذكية، فالراوي يشاهد مصيره كما يشاهد فيلماً، مما يضفي موضوعية على الذاتي، وفي صورة مدهشة نرى "الرعيان الممسوسين بالثغاء"، حيث الراعي (رمز الصفاء) يصاب بمسٍّ من الطبيعة نفسها (الثغاء/صوت الأغنام)، فتصبح المهنة جنوناً والجنون مهنة، أما "تفاح المجانين" (نبات سام غالباً) فهو استعارة للمعرفة المحرمة أو الذاكرة المؤلمة التي تمنح الرؤيا ثم تقتل، أما المشهد المركزي (إخراج جثة الجرو، تجفيفها بالشمس، حملها في خرج الحمار) فهو طقس جنائزي غريب، يجمع بين البراءة (الجرو) والوحشية (الجثة المجففة)، بين التدجين (الحمار) والتوحش (المنحدرات)، ومع عبارة "شمسها قليلاً" نرى تحويل الشمس إلى فعل إنساني متعمد، محاولة لتعقيم الموت أو تأبيده، وعندما "كفنته بالكوفية" يتوحد الرجل والحيوان برمز الهوية الفلسطينية/العربية، فالمأساة واحدة، وقد امتلأ النص بالأسئلة الوجودية مثل: "أي خطيئة اقترفت في بلاد الكنوز العظيمة؟!"، وهو سؤال أيوبي، يتهم القدر/الجغرافيا بأنها وعدت بالكنوز ثم أعطت الموت والعطش، كما أن "الجراء المذعورة" تعيدنا لصورة الجرو، في دائرة مغلقة: بدأنا بجرو ميت، وننتهي بجراء مذعورة تركض في متاهات العمر، فالزمن هنا ليس خطياً، إنما هو زمكان بين الماضي (منذ 40 عاماً) يقتحم الحاضر، والحاضر يهرول نحو المجهول، و"تشميس الخطايا" محاولة لتجفيف الألم، لكن السؤال الكبير: كم من وقت يحتاج المرء ليشمس خطاياه في عمر يركض كالجراء؟! وفي البعد الإيقاعي/الصوتي، كان يمكن التوقف قليلاً عند موسيقى النص الأصلي، مثلاً الجناس "القبرة/الغبرة" الخفي، والإيقاع "باح/عطشاً/أربعين/المنحدرات"، وأيضاً التكرار الصوتي في "الوديان/المجانين/الرعيان"، ولو التفتنا إلى مفارقات النص ومنها بعد الغياب/الحضور، لوجدنا أن النص يقوم على مفارقة حضور الجثة (كجثة) وغياب الذات (كحياة)، وكان يمكن التعريج على هذه المفارقة: الجرو ميت لكنه حاضر في الذاكرة، والراوي حي لكنه يتحدث كشبح، ويمكن إحالة النص على نصوص موازية، منها أسطورة أورفيوس (الذي نزل للعالم السفلي لاستعادة حبيبته)، وطقوس الدفن عند المصريين القدماء (تشميس الموتى)، وكما في "الموتى يبعثون في الذاكرة" عند محمود درويش، حيث قال محمود درويش: "الموت لا يؤلم الموتى، الموت يُوجع الأحياء"، وعلينا التصالح مع حقيقة الموت، كي نعيش قبل أن نموت، فالخوف من الموت لن يمنعه ولكنه سوف يمنع من الحياة. إنه نص مخلد بركات، يكتب بصوت عالٍ كصدى الوديان، وحزين كموت جرو في وادٍ ناء، يذكرنا بأن الكنوز الحقيقية ليست ما دفنه العثمانيون، بل ما ندفنه نحن من حكايات في قيعان الذاكرة، ثم نقضي العمر نحاول إخراجها لنشمسها قليلاً قبل أن تموت معنا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology