الكاتب بلعربي خالد
في إسطنبول القرن السابع عشر، كان القصر العثماني عالمًا يختلط فيه عبق البخور برائحة الخوف. كل شيء يلمع: الجدران المزخرفة، الأبواب المذهّبة، والستائر الثقيلة التي تحجب الشمس. لكن خلف هذا البريق، كان هناك فراغ لا يراه إلا من يعيش بين تلك الجدران؛ فراغ يخفي مأساة عميقة.
كان السلطان مصطفى الأول يجلس على العرش كظلٍ باهت؛ جسد حاضر وعقل غائب. يوقّع المراسيم من دون أن يدرك معناها، ويبتسم ابتسامة شاردة لا تبعث الطمأنينة في قلب أحد.
في الخارج، كانت المدينة تغلي. الأسواق مثقلة بالضرائب، والفلاحون يئنّون تحت وطأة الجباية، والناس يتساءلون في همسٍ خائف: من يحكمنا حقًا؟ السلطان المريض، أم أولئك الذين يختبئون خلف ستائر القصر؟
أما في الداخل، فقد أصبح الوزير الأعظم، ورجال البلاط، وقادة الإنكشارية هم أصحاب القرار الحقيقي.
وهكذا تبدأ الحكاية… حكاية سلطانٍ مجنون.
كنتُ خادمًا صغيرًا في القصر، أتنقل بين الأروقة المذهّبة، والستائر الثقيلة، والبساتين الهادئة التي تخفي وراء جمالها أسرارًا لا تنتهي.
رأيت السلطان مصطفى الأول جالسًا على عرشه، لكنه لم يكن سلطانًا بحق. كانت عيناه تائهتين، وكلماته متقطعة، يبتسم أحيانًا بلا سبب، ويضحك فجأة كطفلٍ ضائع.
كنت أقترب منه لأقدّم الشراب، فيأخذ الكأس بيده، ثم يضعه على الأرض ويدفعه بقدمه، كأنه لا يعرف ما يفعل… أو كأنه يعيش في عالمٍ لا يشبه عالمنا.
كل صباح، كان الوزير الأعظم يدخل ومعه أوراق جديدة، يضعها أمام السلطان، فيوقّعها بلا وعي. ثم يخرج إلى الحاشية قائلًا بصوتٍ جهوري:
"السلطان أمر."
لكنني كنت أعلم أن السلطان لم يأمر بشيء.
في المساء، كان قادة البلاط يتحدثون بثقة باردة:
"نحن نحفظ استقرار الدولة… السلطان ضعيف، ونحن من نحمي العرش."
أما قائد الإنكشارية فكان يضحك ضحكة خافتة ويقول:
"الحكم لنا… ولسنا بحاجة إلا إلى صورته كي نخدع الناس."
كنت أخرج أحيانًا إلى الأسواق لأشتري حاجيات القصر، فأسمع الناس يتذمّرون:
"الضرائب تقتلنا."
"من يحكمنا؟ السلطان أم الجيش؟"
"أين العدل الذي وعدونا به؟"
كنت أعود إلى القصر، وأحمل تلك الأصوات في قلبي، وأشعر أن المدينة كلها تغلي تحت السطح، كبركان ينتظر لحظة الانفجار.
وفي ليلةٍ مظلمة، لم أعد أحتمل.
همستُ لأحد التجّار بما رأيت:
"السلطان لا يحكم… إنه مجرد ظل. الإنكشارية والوزراء هم أصحاب القرار."
انتشر الخبر بسرعة، كأنني أشعلت نارًا في فتيل برميل بارود.
وفي الصباح، امتلأت الساحات بالناس، يهتفون:
"كفى خداعًا!"
"لا للطغيان والانتهازية!"
"لا للأيادي الخفية والمؤامرات!"
"لن نُحكم باسم سلطانٍ مجنون!"
حاول الإنكشارية قمع الانتفاضة، لكن الحقيقة كانت أقوى من السيوف.
كلما اندفع الجنود نحو الجموع، ازداد الناس صراخًا، وكأن الخوف الذي سكن صدورهم لسنوات تحوّل فجأة إلى نار لا تُطفأ.
النساء من النوافذ يرمين الماء والحجارة، والرجال في الساحات يرفعون قبضاتهم نحو القصر، والمدينة بأكملها كانت ترتجف على حافة المجهول.
ثم… فُتحت أبواب القصر.
خرج السلطان بثوبه الأبيض، يسير بخطوات مترددة، وعيناه شاردتان كما عهدتهما.
وقف أمام الناس، ثم رفع يده ببطء.
ساد الصمت.
نظر إليهم طويلًا… ثم ضحك.
ضحكة طويلة، غريبة، كأنها قادمة من عالمٍ آخر.
وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع أن الرجل الذي يجلس على العرش لم يكن سوى أسيرٍ في قصره… وأن الجنون لم يكن جنونه وحده، بل جنون دولة كاملة بُنيت على الخداع والخوف.
في ذلك اليوم، اجتمع رجال الدولة، وأُعلن عزل السلطان.
لكنني، أنا الخادم الصغير، كنت أعلم أن العزل لم يكن نهاية المأساة…
بل بدايتها.
لأن السلطان المجنون غادر العرش…
أما الجنون الحقيقي، فقد بقي في القصر.
