بقلم. ايمان محمود المازري
لم أكن أعلم يوماً أن مهنتي في تحضير أفخر أنواع الكيك ستكون مختصراً جميلاً لكل حياتي، وأني مدينةٌ لها بحب العمر إلا ذات يوم ماطرٍ. كان مطراً قوياً يضرب الأرض ويضرب جذور أعماقي بذات اللهفة. كنت متعطشة لغيثٍ يندّي قلبي كما تلك الواجهات الزجاجية التي تعشّقت بحبات المطر . تلك الواجهات التي لم ألمح الوجوه خلفها إلا حين قام أحدهم بفتح الباب والاتجاه نحوي. لمحتُ طرف وجهه المخبأ بوشاحٍ بنفسجي اللون من شدة البرد لا أعلم ماذا أصابني حين نطق (قطعة كيك لو سمحتي)اخترق صوته أذني كموسيقا وقعت في نبضي وأطربته. حاولت إخفاء ارتباكي داخلي ونظرت بكل ثقة (تكرم عينك). مشى بخطى ثابته نحو الطاولة المجاورة خلع معطفه الرمادي ووشاحه وجلس منتظراً، لم أستطع منع نفسي من اختلاس النظر لتلك اللحية الخفيفة والشعر الذي بدأ الأبيض يتكاثر في أطرافه العيون المائلة للأخضر، قامته وكتفيه كل ما فيه أخذني إلى عالمٍ آخر وأربكني.
كل مافيه أخذني إلى عالم آخر وأربكني . كان مذهلاً بحضوره مما دعاني للغياب فيه. بدأ يجول بنظراته بأرجاء المكان، ومع كل لفتة منه أراه يجول في قلبي. تساءلت في داخلي تراه ساحراً ؟!! ليعبث بنبضي هكذا ومن النظرة الأولى والصوت الأول .حاولت تهدئة نفسي بإقناعها هي مجرد بعثرة مشاعر لا آكثر فلا تلقي لها بالاً !؟هممت بتحضير الكيك وتزيينه كما أنني وضعته في طبق أحمر من البلور اللامع. كان أنيقاً جداً، بدأت أشق طريقي إليه وكأنني أخوض معركة مع أنفاسي اللاهثة، قلبي ينبض بشدة، والطبق يتأرجح بين يدي كل هذا وأنا أحاول الثبات اقتربت من طاولته أخفضت برأسي لوضع الطبق. لتغزو رائحة عطره أنفي كانت (لومال )!.
من العطور المفضلة لدي همست وصوتي متقطع (تفضل )
رد بهدوء شديد وكأنه لم يعر لوجودي انتباه. (شكرا) غادرت الطاولة، وكأنني أغادر عمراً معها. كانت تحمل الرقم ثمانية مع أنني لا أؤمن بهذه الترهات لكنني أمسيت أعشق هذا الرقم كما تُهتُ بتفاصيل محتضنها .
عدتُ إلى عملي وبدأت أرقبه من بعيد .قام بطلب كأس من الشاي من النادل أمامي، ومع تحريكه السكر شعرت بأنه يحرّك المشاعر في خافقي . يده التي تدور مع دوران الملعقة وشروده في النافذة جعلني أتوه في عينيه المعلقتين وكأنهما تبحثان عن شيء ما. بدأ يرشف الشاي الساخن والبخار يتصاعد من أطراف الكأس وكأنّه يشكّل هموماً يزفرها .تباً كيف لي أن أعلم إن كان في حياته إحداهن فقد أفقدني ما تبقى بي من عقل .
وبينما أحادث نفسي رأيته يومئ لي من بعيد ...تساءلت في نفسي تراه ماذا يريد مشيتُ نحوه بثبات ،وعيني معلقتين بحزن عينيه الغامض .التفت إليّ (هيه )حدّق كثيراً بالبطاقة المخطوط عليها اسمي ليلفظه بكل حنانٍ باذخ (شغف) خرج اسمي من فمه وكأنّه قيثارة تعزف على وتر قلبي .قلت بهدوء نعم أخبرني وصوته يرتجف متأتئاً تُشبهين حبيبهً لي أم أنّك هي ؟!!كان يقولها بنبرة حزينة جداً حتى كاد قلبي ينفطر .لم أعد أدري ما أقول أصابني حينها نوع من التسمر بالمكان والحملقة بعيداً بعيداً.
نظرت حولي لم أجده كان قد غادر المكان وهو يحمل معه قلبي التائه بين عينيه.
في قرارة نفسي تساءلت كثيراً كيف يمكن لقطعة كيك أن تكون فرحة عمر بأكمله
كيف يمسني العشق بكلمة
وكيف لمجهولٍ ربما يعود وربما لا أن يخلق كل هذا الفرح بعمري؟؟ بنظرة واحدة وصوت واحد (قطعة كيك لو سمحتِ)
أو يُعقل أن نعلّق فرحنا على مشاجب المجهول ونمضي؟؟؟؟
عدت لطاولته ألملم بقايا نفسي وبقايا عطره الحزين.
يربت أحدهم على كتفي( هيه شغف وين رحتي)
في ذكرى لقائنا الأول
(ما تتأخري الكل ناطرنا على الطاولة رقم ٨)
إ
