تحت ظلال الزيزفون

 



 بقلم هيا برماوي 


 


عدتُ بعد سنواتٍ طويلة إلى قريتي. لم يتغير فيها شيء؛ ما تزال كما تركتها، يوم دفنتُ فيها حلمي وأوجاعي وغادرتها رغمًا عني. عدتُ أحمل بداخلي ضجيج المدن وتعب الأيام، كأنني أجرّ خلفي عمرًا كاملًا من الخيبات.


كل شيء كان كما هو: البيوت الطينية، الطرق الترابية، والنهر الذي لم يفقد هدوءه.


لكنني لم أكن كما كنت.


توجهتُ نحو حقول القمح… المكان الذي جمعني بها، المكان الذي عشت فيه أجمل أيام عمري.


كنتُ أخطو ببطء، بثقلٍ غريب، وكأن الأرض تُمسك بقدمي وتمنعني من الوصول. وما إن اقتربت، حتى اجتاحتني برودة مفاجئة، تسللت إلى أطرافي، فارتعش جسدي دون سبب واضح.


ثم رأيتها…


توقفت أنفاسي.


كيف؟ بعد كل تلك السنوات؟


كانت تقف في وسط الحقول، تحمل فرشاتها، وأمامها لوحة ترسم عليها شيئًا ما. كان شعرها يتمايل مع الريح، وملامحها ساكنة… لكنها مثقلة بحزنٍ عميق. حين نظرت إلى عينيها، رأيت دموعًا معلّقة، كأنها تأبى السقوط.


لم تلاحظ وجودي.


تراجعت خطوة… ثم أخرى. قلت في نفسي إن الرحيل الآن أهون من فتح جرحٍ لم يلتئم. استدرتُ لأغادر، لكن شيئًا ما شدّني إليها… شوقي، أو ربما بقاياي التي تركتها معها.


عدتُ بخطواتٍ حذرة، وتسللتُ خلفها، واختلست النظر إلى لوحتها.


وحين رأيتها…


انهار كل شيء.


كانت ترسم شجرة الزيزفون… تلك التي اعتدنا الجلوس تحت ظلالها. رسمتنا هناك، أنا وهي، وبجانبنا الأرجوحة التي علّقتها لها بيدي. وفي زاوية اللوحة، كتبت بخطٍ صغير:

"تحت ظلال الزيزفون".


خارت قواي.


جثوتُ على ركبتيّ، وشهقتُ كطفلٍ ضائع.


وفي تلك اللحظة… عاد كل شيء.


يوم وقفتُ أمام باب بيتها، أطلبها كما وعدتها. كنت مستعدًا أن أواجه العالم كله لأجلها… لكن العالم كان أقسى.


رفضني أهلها.


لم يكن الرفض مجرد كلمة، بل كان حكمًا لا يُكسر. رأوني أقلّ مما يليق بها، بلا مالٍ يكفي، ولا اسمٍ يشفع لي. حاولت… أقسم أنني حاولت، تمسكت بها بكل ما أملك، لكن صوتها كان أضعف من دموعها.


قالت لي يومها:

"لا أريد أن أخسرك… حتى لو كان الثمن أن أخسرك."


وفي لحظةٍ لم أفهمها حينها… رحلت.


قلت لنفسي إنني سأعود، سأعود أقوى، جديرًا بها أمامهم، لا فقط في قلبي.


لكنني تأخرت…


كما أفعل دائمًا.


لم تلتفت إليّ، لكنني رأيتها فجأة تسقط على ركبتيها، وتبكي… بكاءً ممزقًا، كأن قلبها يُنتزع من صدرها.


لم أعد أحتمل.


نهضتُ إليها، أمسكتُ يديها، فالتقت عينانا أخيرًا… وانفجرنا بالبكاء، بلا كلمات.


نظرت إليّ من بين دموعها، وقالت بصوتٍ متقطع:

"لقد تأخرت كثيرًا… انتظرتك عمرًا كاملًا."


تجمد الزمن.


حاولت أن أقول شيئًا… أي شيء… لكن الكلمات خانتني، كما خنتها من قبل.


وفجأة…


ارتخت يداها بين يديّ.


سقطت.


ناديتُها… هززتها… توسلتُها أن تستيقظ، أن تعود، أن تمنحني لحظةً أخرى… لكن كل شيء كان قد انتهى.


هذه المرة أيضًا… تأخرت.


فارقت الحياة بين يديّ، في المكان الذي أحبّته، وبين حقول القمح التي شهدت حبنا، وخذلتنا معًا.


لا أعرف كيف أُنهي هذه الحكاية…


لكنني أعلم أن بعض النهايات لا تليق بالحب.


وأعلم أنني، ما حييت، سأبقى عالقًا هنا—

بين حقول القمح ، وتحت ظلال الزيزفون

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology