الومضة والشذرة في كتابي نشيد الدوالي وطفولة حرف للشاعر عبد الرحيم جداية



بقلم: سامر المعاني 

أصدر الشاعر والناقد عبد الرحيم جداية عام 2008 كتابه الأول (نشيد الدوالي)، ثم أتبعَه بعد ثلاثة أعوام بكتابه الثاني (طفولة حرف)، وكلاهما يندرج ضمن فن الومضة الأدبية. وقبل الولوج إلى عوالم هذين العملين، لا بدّ من الإشارة إلى أن فن الومضة، الذي يطفو اليوم على سطح المشهد الأدبي في زمن الحداثة والتجديد، لا سيما مع اتساع فضاءات التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، ليس مجرد كلامٍ منمّق أو تراصفٍ لغوي عابر كما يظن البعض، بل هو فن رفيع يتطلب مهارة لغوية عالية، وقدرة على بناء الصورة، وصياغة الأسلوب الفني المكثف، بما يرتقي بالجملة إلى مستوى التعبير المتكامل المدهش القادر على اقتناص الفكرة ذات الدلالة العميقة في أقل عدد ممكن من الكلمات.

يأتي كتاب (نشيد الدوالي) في سبعين صفحة، ويضم مئةً وستًّا وسبعين ومضة وشذرة أدبية، جاءت دون فهرسة، منضويةً تحت العنوان الرئيس، متسلسلةً في تنوعها، غنيةً في أفكارها، ومتمايزةً في أساليبها الفنية واللغوية. وقد استطاع الشاعر جداية أن يوظّف الومضة بأقصى درجات التكثيف، فكل نصٍّ يحمل فكرة مركّزة، ويقود القارئ إلى حالة شعورية خاصة، تتبدل بتبدل النصوص، في رحلة جمالية متواصلة تثير الشوق إلى متابعة القراءة، دون أن يقع القارئ في رتابة أو ملل.

وتتجلى براعة الكاتب في تنوع أساليبه الفنية، إذ يفتح في نصوصه فضاءات متعددة تتراوح بين الوعظ والإرشاد، والفرح والحلم، والأمل والانكسار، كما يغوص في أعماق النفس مصوّرًا خلجاتها، وعواطفها، وأشواقها، وغرامها، بصدقٍ شعوري لافت. وعلى الضفة الأخرى، لا يغفل عن مشاعر الرجاء، والتحسر، والندم، والشكوى، في لغةٍ بلاغية مشحونة بطاقة التعبير. ويتنقل في نصوصه كألوان الطيف، موظفًا أدواته الفنية بمهارة، بين السرد، والسؤال، والتعجب، والنداء، مع حضور واضح للمحسنات البديعية كالسجع والطباق، مما يمنح نصوصه أبعادًا جمالية متعددة. ولعل اللافت أن هذه النصوص، على قصرها—إذ لا تتجاوز في الغالب سطرين—توازي في عمقها وقوتها نصوصًا مطوّلة في فنون أدبية أخرى.

أما كتاب (طفولة حرف)، الصادر عام 2011، فيقع في مئة صفحة، ويشكّل امتدادًا لتجربة الومضة مع ملامح تطور واضحة. إذ نلحظ فيه بعض النصوص الأطول نسبيًا، كما يحضر الأسلوب الشعري بشكل أكثر وضوحًا، حيث تتجلى الومضة الشعرية في بيت واحد أو بيتين، وأحيانًا في ثلاثة أبيات، سواء في البناء العمودي أو في التفعيلة المجتزأة. ومن أبرز الفروقات بين الكتابين—إلى جانب التشابه الكبير—أن (طفولة حرف) جاء مفهرسًا، وقد قسّمه الكاتب إلى سبعة عشر عنوانًا، لكل منها نكهته الخاصة في الشكل والمضمون.

وفي هذا الكتاب، تتكثف التجربة الأسلوبية أكثر، حيث يمزج الكاتب في النص الواحد بين أكثر من تقنية، كالسؤال والتعجب والتحسر والرجاء، في توليفة فنية تضفي على النصوص جمالًا مركبًا وثراءً دلاليًا.

وإذا ما تعمّقنا في البنية الفنية لنصوص الومضة عند عبد الرحيم جداية، فإننا نجد أنفسنا أمام اقتصاد لغوي شديد الكثافة، يقوم على ما يمكن تسميته بـ"بلاغة الحذف"؛ حيث يُراهن الكاتب على المسكوت عنه بقدر ما يراهن على المنطوق، فيترك فراغات دلالية مقصودة تستفز وعي القارئ وتدفعه إلى إكمال المعنى وفق تجربته الخاصة. وهذه السمة تجعل من نصوصه فضاءً مفتوحًا للتأويل، لا يكتفي بتقديم فكرة جاهزة، بل يؤسس لحوار داخلي بين النص والمتلقي.

كما تتكئ ومضاته على المفارقة بوصفها أداة جمالية مركزية، إذ يبني كثيرًا من نصوصه على صدمة دلالية ناتجة عن التقاء المتناقضات أو انزياح المعنى عن مألوفه، وهو ما يولّد عنصر الدهشة، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في هذا الفن. فالجملة لديه لا تُقرأ بوصفها خبرًا، بل بوصفها انزياحًا عن المألوف، يعيد تشكيل العلاقة بين اللغة والواقع.

ومن زاوية أسلوبية، يمكن ملاحظة الحضور الواضح للنَّفَس الشعري حتى في الومضة النثرية، حيث تتكثف الإيقاعات الداخلية عبر التوازي، والتكرار، والتوازن التركيبي، فضلًا عن العناية بالصورة الشعرية التي لا تأتي زخرفًا بل تؤدي وظيفة دلالية عميقة. كما أن اعتماده على الجملة القصيرة يمنح النص إيقاعًا متسارعًا، يتلاءم مع طبيعة العصر، دون أن يفقد عمقه أو جماليته.

أما على مستوى الحقول الدلالية، فإن نصوص جداية تتحرك ضمن ثنائية الذات والعالم، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع الهمّ الإنساني العام، فتغدو الومضة لحظة وعي مكثفة، تختزل تجربة شعورية أو فكرية في صياغة موجزة، لكنها ممتدة الأثر.

وبعد هذه القراءة المتأنية في الكتابين، يجد القارئ نفسه أمام جواهر أدبية نفيسة، تتجلى في الصور البلاغية والأساليب الجمالية المتنوعة التي يبدعها الشاعر عبد الرحيم جداية، مضيفًا إلى فن الومضة بعدًا جماليًا لافتًا. فهو لا يكتفي بالتنقل بين الرؤى، بل يغوص في أعماق المتلقي، محرضًا إياه على التفاعل مع النصوص، حتى ليكاد القارئ يحاورها داخليًا، متنقلًا بين ردود فعل وجدانية متباينة: (نعم… صحيح… يا ليت… جميل… ربما…).

ومن الشواهد الدالة على أسلوبه في الومضة، نقرأ:

ماذا اعتدنا… وماذا اعتادت الحياة؟

هذا دمي… فأين دماء العاشقين؟

لا أجد مبررًا للفرار… لهذا أنا موجود.

على مائدة الصداقة دفنتُ أحزاني.

أفراح الأرواح لا تحتاج بطاقات دعوة.

ابتعد قليلًا عن نفسي… كي أراها بوضوح.

...



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology