حقيبة سفر



 
 الكاتب محمد عيسى 


لا أعلم شيئا أكثر لصوقا بي من "حقيبة السفر" فمنذ أن بلغت الثامنة عشرة وأنا أتأبّطها كما أحتضن أحلامي، وأحملها على عاتقي كما أحتمل آلامي، أو أُجّرجرها ببطء حرصا على عجلاتها الدقيقة من الدّق، وحرصي على فؤادي من الوَجْد.

كل شيء تحويه حقيبتي؛ كتبي، مسبحتي، ملابسي المهترئة، مشبكيّ الصاج عندما تشتد عليّ نوبات العصب والصداع النصفي والجيوب الأنفية، مكينة الحلاقة، الأمواس، الإبرة، بكرة الخيط، صيدلية مصغرة تحتوي على مجموعة لا بأس بها من المسكنات والمضادات والأدوية، أوراقي، أقلامي، أحلامي، آمالي، آلامي، حقيبتي أشبه ما تكون بصندوق الدنيا، ثم أُغلق عليها بإحكام بمزلاج صدئ.

من قريتي الصغيرة في أحضان الجبل، من الكاب مهد الحضارة وجرثومة التاريخ، انصهرت في بوتقة النيل جميع الإثنيات والقوميات؛ وتشكّل على ضفافه الميمون: ذلك الكائن المصري.
من النبع الصافي الرقراق، من حقول القصب المترامية الأطراف، من شجرات الأثل العتيقة التي اغتالتها يد العمران وحوّلتها إلى غابات أسمنتية قميئة، من ملاعب الصبا وحكايات الأجداد؛ تجاعيد وجه جدتي التي ما زالت تتحدى الزمن، خطوات زوجي الرتيبة ونبضات قلبها المنتظمة التي أسمعها بوضوح تام، وطوفان المشاعر الذي أغرقتني فيه، تقاسيم وجه ابنتي الغضّة، مشاغبات ابني الصغير، ابتهالات أمي في السَّحر، قبر أبي الذي استعجلنا الفراق، لا ليس مجرد قبر بل روح تنبض في أجسادنا، دماء تسري في عروقنا، وميض نور يبدد حلكة الدياجير؛
أخي. أختي. أهلي. أصحابي. جيراني (أنا عاوز آخدكم أحضاني).

استقلّ القطار، لا أستطيع وصف مشاعري حينئذ، تدور رحى حرب بكِياني الداخلي، ثمة شيء يتحطم، إنه الوداع. والأرق والقلق، والجوع والسهر، والذكريات الشاحبة، وأطلال الأحبة جمرات تحرق الفؤاد.
أيها الساهر تغفو *** تذكر العهد وتصحو 
وكلما جدّ جرح *** جدّ بالتذكار جرحُ

تدور رحى الحياة على أضلعي، تدوي أصوات طلقات نارية في أذني، تخترق سكون الليل، ذهني فارغ، قلبي نازف، أشتم رائحة الشواء في صدري؛ يمدها الآخرون بالحطب الجاف والمازوت، أهيم بذكريات الطفولة، ولعبة الحجلة، وسهرات رمضان بجوار المدافئ في ليالي الشتاء، بابتسامات ساحرة بريئة خلت من الإحن والضغينة، بمواقف ومحطات عابرة تلمع الآن الآن كالسراب بناظريّ، بيدي المرتعشة عند بدايات محاولاتي الإمساك بالقلم، وما يطويه الصدر من أشجان، أحلم بالصداقات الضائعة، بالرفاق الذين فارقوني، وبالزمن الذي ولّى وانقضى.

أدسّ رأسي بين دفتيّ كتاب، أملأ وقتي بالقراءة أحيانا، وبالدموع حينا؛ لأطفئ لظى اللهيب المستعر بي، وبالكتابة نادرا؛ فأشعر بعجزي التام عن نسج الحروف وسبك الكلمات، أستدر عطف القلم، ألثم بكل ودّ الأوراق، أعلم يقينا أني عاجز عن السرد، عجزت عن البوح، يظلّ يضطّرب في كينونتي، ويبيت وقد مزّق مني الأحشاء.
حينما كنت منكبًّا على كتابي أحشو عقلي فكرا وثقافة، حشا الأغيار جيوبهم ذهبا وفضة، وانطلقت الألسن فيّ ذمًّا وعيبًا، والأعين شزرًا وسخرية.

أنسل من جوف كتابي لأنظر للحياة من طرف خفي، الأمم تصطلي بنيران الحرب العالمية، والأفراد في ذلك الأتون اللاهب أيضًا، لقد تبدّلت المعايير وساد اللامنطق واللامعقول، والامنتمي، وكل لاءات الفوضى والعبث، أحقًا كل ما قرأته من كلاسيكيات الأدب العالمي من السر الأكبر، وعالم جديد شجاع، و 1984، ومذكرات قبو، والتحفة السينمائية العبقرية: The good Fathar...........إلخ؛ أحقًا تغيرت قواعد اللعبة ويُرقم على صفحة الكوكب معالم نظام عالمي جديد؟؟!!!
هل ما زال هناك حُلم مجرد حُلم بأن يَحْبُوَ أو يَعْدُوَ العالم في مساره الصحيح، أم سينكث وينكس وينكص.

لقد انتهى أمد رحلتي؛ وانقضت بين الأوهام والأحلام، والحقيقة والسراب، والنكران والامتنان، والجحود وحفظ العهود، والحب والبغض، والفسوق والخشوع، والنشوة والشهوة، والقهوة والشاي، والناي والألحان؛ انقضت بجميع الأضداد ضباب ورماد، وفي الصدارة: الإيمان والإلحاد، ولم أجد وفيًّا نقيًّا أحملها على عاتقي وتحملني على عاتقها إلا "حقيبة السفر"..............

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology