بقلم هيا برماوي
توجهتُ إلى قريتي بعد أن أنهيت عملي، وقد حصلت على إجازة لشهر.
كان الطريق هادئًا، يبعث في النفس شيئًا من الطمأنينة، والأشجار الخضراء تصطف على الجانبين كأنها ترحّب بعودتي. لم أرَ في حياتي جمالًا يشبه جمال تلك القرية.
بعد قرابة ساعتين من القيادة، وصلت.
ترجلت من سيارتي بهدوء، واتجهت نحو نهر القرية. جلست هناك، حيث اعتدتُ أن أهرب من ضجيج العالم… وحيث كانت الذكريات بانتظاري.
هنا… تذكّرتها.
وانهمرت دموعي دون استئذان.
محبوبتي… التي افترقنا منذ أشهر، وكأن الزمن انتزعها من حياتي فجأة.
تأملت الأماكن التي مشينا فيها، وضحكاتنا التي كانت تملأ هذا المكان، وجلستنا الطويلة تحت ظلال الأشجار وعلى حافة النهر.
لا أدري كم مضى من الوقت، لكنني نهضت أخيرًا، وعدت إلى سيارتي، متجهًا نحو بيتنا الريفي.
توقفت أمام المنزل، وقبل أن أدخل، لفت انتباهي صندوق البريد.
فتحته بهدوء… ثم تجمّدت في مكاني.
رسالة.
بدت قديمة، وكأنها تنتظرني منذ زمن. لم تكن هنا في آخر مرة جئت فيها.
شعرت بقلبي يرتجف.
فتحتها بيدين مرتعشتين… فرأيت خطّها.
سرت قشعريرة في جسدي.
بدأت أقرأ:
إلى حبيب الفؤاد…
إلى الغائب الحاضر في قلبي،
انتظرتك طويلًا، وانتظرت رسائلك التي لم تصل.
لم أكن أعلم كيف أصل إليك بعد أن غادرنا القرية، ولم أعرف كيف أخبرك بعنواننا الجديد.
بكيتك كثيرًا… حتى جفّت دموعي.
اشتقت إليك حدّ الألم، أراك في كل الوجوه، وفي كل الأماكن.
اليوم فقط عرفت كيف أرسل لك رسالتي…
وأرجو أن تصلك قبل فوات الأوان.
هناك من تقدم لخطبتي، وأهلي مرحبون به… وأنا خائفة.
أرجوك، تعال من أجلي.
ألم تقل يومًا إنني أغلى ما تملك؟
سأترك لك عنواني…
محبوبتك.
توقفت أنفاسي.
نظرت إلى تاريخ الرسالة…
كانت قد أُرسلت قبل شهر.
شعرت وكأن العالم يدور بي.
جثوت على ركبتي، وانهار كل شيء داخلي. لم تكن تعلم كم بحثت عنها، وكم حاولت الوصول إليها قبل أن أفقد الأمل.
لكن الأمل عاد… متأخرًا.
وجدت العنوان خلف الرسالة.
كانت في قرية تبعد ست ساعات.
ركضت نحو سيارتي.
لم أفكر، لم أتردد. كل ما أردته… أن أصل. أن أراها. أن أستعيد ما تبقى.
قدت لساعات طويلة دون توقف.
التعب كان ينهش جسدي، لكن الشوق كان أقوى.
وأخيرًا… وصلت.
كانت القرية مضاءة، تعجّ بالحياة.
سمعت أصوات الموسيقى والفرح.
اقتربت.
كان هناك حفل… حفل زفاف.
تقدّمت أكثر، وقلبـي يخفق بعنف.
ثم… رأيتها.
تقف إلى جانب رجلٍ آخر.
بفستانٍ أبيض، يشبه الغياب أكثر مما يشبه الفرح.
تجمّدت.
سقطت على ركبتي، وكأن الأرض انسحبت من تحتي.
لم أعد أسمع شيئًا… سوى صوت داخلي ينهار.
لم أبكِ كما توقعت…
كان الألم أعمق من البكاء.
أحببتها منذ طفولتنا، وعشت على أمل أن نجتمع يومًا.
بحثت عنها… أقسم أنني بحثت حتى تعبت روحي.
لكنني وصلت… متأخرًا.
همست بصوتٍ مكسور :
لعنَ الله الرسائل… التي تصل متأخرة.”
ثم سكتُّ.
حدّقت بها من بعيد، كأنني أحاول أن أحفظها للمرة الأخيرة… لا كما كانت، بل كما أصبحت.
وقفت بصعوبة، ومسحت وجهي بكفٍّ مرتجف.
أدركت فجأة أنني لم أخسرها الآن…
بل خسرتها منذ ذلك اليوم الذي لم تصلني فيه رسالتها ..
استدرت..
خطوت ببطء، ثم ابتعدت، تاركًا خلفي قلبي وحلم لم يعد لي
وفي يدي… كانت الرسالة،
أخفّ من أن تُحمل،
وأثقل من أن تُنسى.
