قراءة أدبية لنص (رسالة بين زقاقين) الأديب محمد النديم

 


 بقلم الكاتبة دينا العزة 



لكل كاتب طريقة في بثّ فكرته على شاشات ذاكرة القارئ، وبالقدرات التي يطوعها لينتج نصا احترافيا يستطيع أن يخطف الآخرين من عناوين مبتذلة إلى آداء مبهر لكل حرف بسياقه وفكرته وعمق معانيه وهكذا استطاع محمد النديم جذب انتباه كل من يقرأ حرفه.

هنا بهذا النص أقام الكاتب مراوحة دقيقة بين صوتين متقابلين: صوت الأنثى في المقطع الأول، وصوت الرجل في المقطع الثاني، لكنهما في الحقيقة ليسا صوتين منفصلين بقدر ما هما وجهان للخراب ذاته ربما لأن الحقيقة تأخذنا دائما إلى مرآة أخرى نقف أمامها بكامل التشابه. إننا أمام بنية اعترافية تتخفّى داخل لغة شعرية كثيفة، حيث يتحول الحب من علاقة وجدانية إلى طقس جنائزي طويل، تتجاور فيه مفردات الماء والدم والمرآة والحبر والنعش، لتنتج رمزية النص لكنها شديدة القتامة.


في المطلع:

(خرجت مني / أنجز مهام دمعة كاملة.. تشبه الفرات)

هنا الدمعة لا تشبه بالنهر من حيث الحجم فقط، بل بارتباطها بالتاريخ والقدر أيضاً.

 الفرات ليس ماءً عابراً؛ إنه ذاكرة حضارية، وجرح جغرافي، ومجاز للفقد العراقي والعربي معاً. 

الدمعة إذن ليست انفعالاً شخصياً، بل مأساة وجودية مكتملة، والفعل «أنجز» يمنح البكاء طابعاً عمليا قاسيا، وكأن الحزن أصبح وظيفة تؤدَّى بإتقان.

ثم تأتي العبارة:

(على بعد خطوتين من الندم)

هنامن أنزياحا عامراً بالجمال أمام الإندياحات الأخرى في النص إلا أنه مختلفا، فحين يصبح الندم مكانا يقاس بالمسافة وتتنحى صفته الحقيقية كحالة نفسية ليس حالة نفسية، الذات تقف عند حافة السقوط الأخلاقي والعاطفي، لكنها لم تدخل الندم بعد؛ إنها معلّقة بين الرغبة والتراجع برزخ مغاير.

المرآة في النص ليست أداة انعكاس، بل محكمة داخلية:

«أقف أمام المرآة.. وعلى كتفي المزيد من الغرق»

المرآة قاضي يكشف مقدار الخراب المحمول على الجسد لا انعكاس ملامحه، والغرق هنا يُحمَل على الكتف كما لو كان عبئاً مادياً، وهذا قلب حاد للمعنى فبُدلت حالة الغرق التام للجسد من الابتلاع الى الحمل فوق الأكتاف وهنا تحول مخيف نفسيا، جميل مجازا وتصورا وإعطاء النص أبعادا تحمل قدرا دائما لا حدثا عابرا .

أماحين قال أ. محمد :

(حيث تركت يدك تسبح بشعري)

أعاد التحول من ..  إلى 

فالجسد تحول إلى فضاء مائي،

 الشعر يصبح نهراً، واليد كائناً يسبح فيه، هكذا تتسع الاستعارة المركزية للماء: دمعة/فرات/غرق/سباحة. إن العلاقة العاطفية تُصاغ بالكامل عبر معجم السيولة، وكأن الحب لا يثبت أبداً بل يتبدد ويتسرب.


ثم يبلغ النص ذروته السمعية حيث قال:

(قفز صوتك من شق الجدار)

حول الصوت الى كائن مادي قادر على القفز واختراق الجدار الذي رمز للفصل والقطيعة، لكنه هنا لم يستطع منع التسلل. ولذلك تأتي الأغنية:

«كأغنية تسمع حد الشبع»

وفيها مفارقة دقيقة؛ فالأغاني لا تُشبِع عادة، لكنها هنا تتحول إلى فائض وجداني يصل حد التخمة، كأن الذكرى أصبحت عبئاً حسياً.

لكن التحول الأعمق يحدث في:

(اتجهت صوب القصيدة المخبأة في شرياني)

القصيدة ليست نصاً مكتوبا، بل نزفاً دموياً داخليا، كامنة في الشريان، أي في موضع الحياة نفسه. وعندما يقول:

«أفتحها بمدية الاعتذار»

فإن فعل الكتابة يصبح فعلاً جراحيا، والاعتذار ليس لغة تصالح، بل سكين تشريح لذلك تنتهي الذات إلى:

(أمشي إليك نزيفاً في كل اتجاه)

هنا يبلغ التماهي بين الجسد واللغة ذروته؛ المتكلمة لا تحمل نزيفاً، بل تتحول هي نفسها إلى نزيف متحرك.

في المقطع الثاني يحدث انقلاب مذهلمع المرآة، الرجل يعود:

(عائداً إلى دفتري المشنوق)

أصبح الدفتر جثة معلقة لا مساحة كتابية، بل أُعدمت. وهذه من أكثر الصور قسوة في النص، لأنها تربط الإبداع بالخطيئة.


ثم تأتي سلسلة التجريد:

(كل قصيدة خلعت عن قدميها الخلاخيل

ومن معصمها الحلى ومن أذنيها الأقراط)

القصيدة تحولت لامرأة تنزع زينتها قطعة قطعة، نحن أمام فعل تعرية رمزية، كأن الحب أفقد اللغة أنوثتها واحتفالها.

اللافت أن النزع تدريجي: القدم، المعصم، الأذن؛ أي أن الخراب يصعد عبر الجسد حتى يبلغ الرأس والوعي وكأنه انتزاع للروح.


وفي قوله:

 (أسحب يدي من الحبر الأسود)

يصبح التلوث الآثم من الحبر للكتابة حقيقة.مغروسة وسط الروح، لكنه يعترف بعد ذلك:

(نسيت أن ضفيرتك مشنقة)

وهنا تكمن أعنف صور النص الضفيرة رمز أنثوي للجمال والحميمية، تتحول إلى أداة إعدام، فالحب لم يعد خلاصا، بل وسيلة اختناق ناعمة.

أما الذروة التراجيدية فتظهر في:

(دخلت كالحانوتي.. أحمل نعشك للمدفن)

قسوة المشهد أن تشيّع الحبيبة وفق جنازة مهيبة منزوعة الرحمة، الاعتذار هنا ليس للحبيبة بل لما قدم لها بل (لكل وردة انتزعت روحها)

قرباناً لامرأة من خشب

ختاماً مروعاً ومذهلا في آن فعلى قدر قساوة أن تتحول المرأة إلى تمثال جامد بلا حياة، والورود هي الضحايا الحقيقية، إلا أن سحر النص لغة استعارة مجازا فكرة معنى كانت شاهقة بقدر الدهشة.

النص كله قائم على ثنائيات متشابكة:

الماء / الدم

القصيدة / الجثة

المرآة / المشنقة

الاعتذار / الذبح

الحبيبة / التابوت

ولهذا يمكن قراءته بوصفه قصيدة عن استحالة النجاة من الحب، لا عن فقدان الحبيب فقط. فالعاشقان لا يلتقيان أبداً داخل النص؛ إنهما يتبادلان الخراب عبر اللغة، وكل واحد منهما يكتب الآخر بوصف موتَه الشخصي.

------------------------------

إليكم النص :


رسالة بين زقاقين ..


.......


عزيزي .. بالامس ..

خرجت مني

انجز مهام دمعة كاملة .. تشبه الفرات ..

على بعد خطوتين من الندم ..

اقف أمام المرآة..

وعلى كتفي المزيد من الغرق

حيث تركت يدك َ تسبح بشعري

وبينما كنت أصغي للمذياع

قفز صُوتكَ من شق الجدار

كأغنية تسمع حد الشبع..

ولكني ..

اتجهت صوب القصيدة المخبأة في شرياني ..

افتحها .. بمديه الاعتذار

وامشي اليك .. نزيفاً في كل اتجاه ..


........


بالامس .. رجعت الي ..

عائداً .. إلى دفتري المشنوق ..

معتذراً عن كل قصيدة خلعت عن قدميها الخلاخيل

ومن معصمها الحلى ..

ومن اذن

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology