غُوايـة النــور




الكاتبة - أمل صادق

بَعد الدّهشة الأولى بلحظات، وجد نفسه مُحاصراً بين جُدران مكان تحتلّه نوافذ واسعة، يردَعه الزّجاج كلّما حاول اختراق الضّوء المكوّم عليه، فيرتدّ خائبًا إلى الوراء. الخوف نَبتَ بين ريش أجنحته، حين اصطدم بسقْف أعاقه عن التحليق الحر. فهو لم يعْتد الحواجز في حياته. جسده ضعيف بلا مخالب تُعينه على مُنازلة دوّامة ضوء لا يعرف منتهاه، هبط على الأرض، يحوم ويُشقشق، متسائلًا عن ماهيّة الضّوء المنغلق الذي يطوّقه!

فما هكذا يَعي النّور!

تكوّر على نفسه، واستكان في زاوية اتّخذها ملاذًا له، بينما رأسه لا يكفّ عن الدوران في كلّ اتّجاه، ينقر ريشات رقبته متقلقلا. أدرك حينئذ أنّه وقع فريسة في براثن الأرض التي بالكاد كان يطؤها حين يلتقط طعامه منها، غَدَت الآن كائنًا مزعجا وغريبا بالنّسبة له، يدقُّها بمنقاره الصّغير دون جدوى.

باءت تغريدته الشَّرِقَة بالفشل؛ كلّما أراد الزّقزقة كي يزيل ارتباكًا أفسد مغامرته. وكأنّ ذاكرة صوته وَجِمت. أمَالَ رأسه جانبًا بحزن، يبحث عن تفسير لمكيدة النّور التي فرّقته عن بني جنسه، وحرمته الشَّدو الذي طالما ملأ الوُجود بترانيمه العذبة، ها قد أصبح أسير الخوف والنّدم. بعد أن راودَ حُلم أحمق خيلاء نفسه، أزاغ عينيه شعاع غير مألوف، تبع قوّته الوهّاجة، مغامرًا بعليائه، حَرَفه عن سربه، فاصْطاده التّـيه.

افتقدَ عشّه على غصن شجرة بعيدة هي ملاذه وسكينته فيما مضى، تساءل بحِيرة سكنتْ قلبه الرقيق: ألا يستوي نور الأرض ونور السماء؟!

والشمس التي كانت تبثُّ الرّوح في جناحيه، فينطلقُ بحريّة وحيوية في سماء رحبة وآمنة لا حواجز فيها، أفِلتْ، وأقْبل الليل.

ناجى نفسه بشجن: "كيف خدعني الضوء؟ أليْس هو المُرشد في عتمة الطريق؟ كيف استحال فخّا أوقعني فيه؟"

حالت الألواح الزجاجية من نفاذ المطر إليه، والذي كان شاهدًا على يأسه.

أقلقه ذاك التّيه الذي ضلّله وسحبه من مداره الواسع إلى ظلام باعَده عن سربه، حين اندفع نحو ضوء مكدّس في بيت عتيق، مصفوف بمقاعد خشبية تفسّخت ألواحه، لا يرتق شقوقها ليل، ولا يهدهد طقطقتها برد.

ضوء مصباح خافت بيد عجوز شقّت الظّلام بتؤدة نحو طاولة خشبية، تحيطها أعمدة رخام. راحت ترتّل بصوت هادئ، أسْكنت نفسه قليلا. اتّـقد لهب الشموع الثلاث التي أشعلتهنّ، لكنّ سرعان ما خَمد. نجت شمعة واحدة بشعلتها، عندما أحاطتها بغطاء زجاجي، فتراقص لهبها في عينيه.

في حين آنسته فراشة شقيّة كثيرة الحركة في وحْشته، بدت تائهة مثله بين جمادات المكان، تقف على الصُّور تارّة، وتنتقل بين مقاعد لا تجد فيها رائحة أزهار تألفها تارّة أخرى، تحوم... وتحوم، ثم تحلّق بارتفاع منخفض، إذ تبدو غير مُكترثة لحدود السّقف مثله.

أشارت إليه أنّ هنالك مخرجًا، وعليه الزّحف في العتمة، بيدَ أنّه لم يثق بإشارتها.

وتساءل: لماذا عبرتْ منه وسجنت نفسها، إن كان ما تقول هو الحقيقة؟!

كاد يحسدها والحسرة تأكل ملامحه، لولا سُقوطها أمامه محترقة حين سارعت إلى ضوء الشّمعة الذي أغواها.

تساءل بحزن كبير: ما الذي أوْدى بحُلم فراشة حالمة؟ هل كانت تدرك قاتلها؟!

صَلصلة أجراس المكان لم تدع عينيْه تغمضان، كلّما سمع صوت صرير الباب الذي لم يألفه من قبل، يجفل وينقبض.

أتى الفجر مُضبّبا بالأمل. حينما انسلّت ريح خفيفة إلى الداخل... تعلّق بذيلها، عَبر بابًا كان مواربًا طوال الليل، بسط جناحيه وارتفع عالياً. إلاّ أنّ الرّعد لم يردَعه من الاندفاع بكامل طيشه الأول نحو ضوء متعجرف آخر، زَغلل بصره وأغشى بصيرته فسقط حيث البَـرْق الذي صَعَـقـه.

.......................


من المجموعة القصصية – ظل تجريدي



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology