العم هبري




 الكاتب بلعربي خالد

العم هبري رجل في أواخر السبعين، ضئيل البنية كغصن زيتون قديم، لكن في عينيه بريق لا يخبو. شعره منتوش من جهة، كأن الريح نسيت أن ترتبه، وأسنان فمه لم يبق منها إلا واحدة تتشبث بالحياة مثل آخر جندي في معركة خاسرة. صوته غليظ خشن، يخرج من حنجرته كأنه صادر من بئر جافة، ومع ذلك يحمل نغمة فيها عناد ودهاء.

في وجهه ثلاث شامات سوداء قريبة من أنفه، تضيف إليه ملامح غامضة كأنه محقق متقاعد أو عريف من الجيش لم ينسَ الانضباط بعد. نظرته ثاقبة، تخترقك كأنها تفتش عن الحقيقة وسط الضجيج، لكنه حين يتكلم، يضيع في متاهة الكلام، يخلط بين السياسة والماء والكلاب الضالة.

يرتدي سروالًا عربيًا واسعًا وعباءة قريبة من اللون الأبيض، باهتة من كثرة الغسيل والشمس، ويحمل عكازًا لا يتكئ عليه بل يستخدمه كسلاح دفاعي ضد الكلاب التي تزعجه في الحي.

حين يمشي، يبدو كأنه يسير بين الماضي والحاضر، بين الحكمة والجنون، بين الواقع والخيال.

في حيّنا، العم هبري لا يحتاج إلى تلفاز أو راديو، لأنه هو نفسه نشرة أخبار متنقلة. يجلس أمام الدكان، يلوّح بيده، ويبدأ حديثه كأنه سيكشف سرًّا خطيرًا، ثم فجأة يخلط كل شيء ببعضه.

يقول :ّ 

"يا ولدي… الحرب في غزة … أزمة الطماطم، إذا ارتفع سعرها… آه، هل سمعت أن أوروبا تعاني من نقص في الماء؟ لكن الماء مثل النفط، إذا جفّ البحر ارتفع الدولار… على كل حال، أمريكا تريد أن تحل مشكلة المناخ، لكن من يحتضن كرة القدم، لا أحد يعرف من يفوز… المهم، لا تثق في من يقول لك أن الخبز سيبقى رخيصًا، لأن الحم كل يوم له وجه جديد." على فكرة، هل سمعت أن جارنا يريد أن يبني طابقًا فوق بيته؟ لكن الطابق مثل … ، إذا ثقل سقط… المهم، لا تثق في من يبيع لك البطيخ في الشتاء، لأن الدنيا أصلاً دائرة او بيضاوية… " 

المارة يضحكون، لكنهم يعرفون أن وراء هذا العبث رمزية عميقة: العم هبري يختصر حال المجتمع العربي، حيث النقاشات تختلط، لا بداية ولا نهاية، وكل موضوع يدخل في الآخر. العنف مع الاقتصاد، الدين مع الرياضة، الحروب مع أسعار البطاطا.

الأطفال يظنون أنه ممثل فكاهي وفنان مرح، الشباب يرونه مجنونًا، والكبار يبتسمون لأنهم يعرفون أن كلامه يشبه نشرات الأخبار التي تبدأ بالحديث عن "السلام العالمي" وتنتهي بارتفاع سعر البصل.

وفي لحظة صمت، ينهض العم هبري ويقول:

لحرب في لبنان مثل رغيف الخبز، إذا احترق طرفه احترق كله… لكن الدولار في الصين صار مثل كرة تنس، يرتد كلما ضربوه… على فكرة، أوروبا تبحث عن الماء في الصحراء، بينما نحن نبحث عن الصحراء في الماء… المهم، في غزة الناس يقاومون، وفي اليمن الناس يتفاوضون، لكن المفاوضات مثل الطماطم، إذا طال وقتها تفسد…"

"أما الاقتصاد، فتركيا تقول إنها تنمو، لكن النمو مثل شجرة بلا ماء، وسوريا تفكر أن تغيّر عملتها، … وفي مصر يعرضون راجمة صواريخ، بينما الناس يبحثون عن رغيف خبز… هل سمعت أن راقصة المشهورة ركّبت مسامير في قدمها؟ هذا أهم من كل القمم ، لأن الفن مثل التاريخ، لا يموت أبدًا…" نعم  ، … السلام  مثل سوق الجمعة، كل واحد يصرخ، ولا أحد يشتري."

"المهم… لا تسألني ماذا قلت، لأنني قلت كل شيء ولم أقل شيئًا… الدنيا مثل نشرة الأخبار، تبدأ بالحرب وتنتهي بالبطاطا."

ضحك الناس، لكنهم شعروا أن العم هبري ليس مجرد عجوز، بل رمز لمجتمع يتكلم كثيرًا، يخلط الأحداث، ويترك الأفكار معلّقة بلا حل.

 

النهاية


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology