الحضور التشكيلي العربي في هولندا.. منجز فردي وغياب البنية الداعمة



يلفت مؤرّخ الفنّ والباحث الهولندي فلوريس شريفير في كتاباته المتخصّصة حول الفن العربي المعاصر، إلى أن الحضور التشكيلي العربي في هولندا بدأ يتشكّل بقوة خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، تزامناً مع موجات اللجوء والهجرة من المنطقة العربية. ويوضّح في أطروحته التي تناولت فنانين عرباً معاصرين في هولندا، أن معظمهم من الفنانين اللاجئين من العراق، وإن كانت خريطة الحضور العربي تمتد لتشمل مصر وفلسطين والمغرب ولبنان، لكن حضور هؤلاء أقلّ كثافة وأكثر فردية، مقارنة بالحضور العراقي الجماعي الذي بلغ نحو ثمانين فناناً من أجيال مختلفة؛ بدءاً من روّاد جيل الستينيات، مروراً بفناني السبعينيات والثمانينيات، وصولاً إلى الجيل الأحدث.

ويحلّل شريفير الهوية "المجزَّأة" للفنانين العراقيين في الشتات، مبرزاً خصوصية تجربتهم مقارنة بغيرهم من الفنانين العرب، مشيراً إلى أن الجذور الرافدينية العميقة تمنح الفن العراقي خصوصية تُمَيّزه من التيارات الغربية المحضة. كما يؤكد في أكثر من موضع أن الفن العراقي هو الأكثر عدداً وحضوراً في هولندا، بحيث تنوّعت عروضه في مدن هولندية متعددة مثل أوترخت وروتردام ولاهاي، وهذا ما دفعه إلى التركيز في أبحاثه ومحاضراته على تطور الفن الحديث في العراق وأوضاع الفنانين العراقيين في هولندا. 



أغلبية عراقية متنوّعة جيلياً ومدرسياً رغم التحديات

ليست الظاهرة التشكيلية العراقية، بحسب تحليله، الأكثر عدداً فحسب، بل الأكثر تعقيداً وإشكالية، لأنها تحمل معها ذاكرة الاستبداد وآلام الحروب ومعاناة اللجوء، إلى جانب عمقها المستمد من الجذور الحضارية القديمة. تشهد صالات العرض والمتاحف والمراكز الفنية الهولندية على اتساع هذه الظاهرة الإبداعية بغناها وتنوعها، غير أن هذا الحضور الكثيف لا يعني سهولة الوصول إلى منصات العرض، إذ تضع المؤسسات الفنية شروطاً صارمة للجودة والابتكار، وتُبرمج معارضها لسنوات، ما يجعل هذا الحضور دليلاً على قدرة الفنان على اختراق الحاجز المؤسسي بقوة أعماله.


محمود درويش - القسم الثقافي

عمل للفنان العراقي المقيم في هولندا نديم كوفي (صفحة الفنان على فيسبوك)

مرجعيات وسمات

يمكن تلخيص السمات التشكيلية التي يبرزها شريفير في ثلاث نقاط مترابطة: الامتداد التاريخي، حيث نشأ الفن الحديث في العراق ضمن مسار حداثي محلّي منذ منتصف القرن العشرين؛ والقدرة على تحويل المحنة إلى طاقة إبداعية، إذ تحولت تجارب القمع والحروب إلى مادة فنية كثيفة تُعبّر عن الذاكرة والهوية والاغتراب؛ ثم الوعي النقدي، حيث يسعى الفنانون إلى تجاوز التلقي الاستشراقي والانخراط في أسئلة معاصرة باستخدام أدوات حديثة، وهو ما يتّضح في أن جلّ هؤلاء الفنانين تلقوا تكوينهم في أكاديميات فنية وطنية، وأسسوا لهم مرجعيات تشكيلية شخصية. 

ولهذا حافظ هؤلاء الفنانون إلى حدّ كبير على هوية تشكيلية مستقلة، وإن درَس بعضهم في أكاديميات هولندية وتعرّفوا على أساليب أوروبية، لكن نتاجهم التشكيلي بقي محافظاً على هويته الأصلية. وفي هذا السياق، يطرح الباحث إشكاليته النظرية الأساسية، متسائلاً عن سبب ارتباط مرجعيات الفن الحديث، بأوروبا بوصفها مرجعية حصرية، مما يجعل هذا التساؤل يعيد النظر في موقع الفن غير الأوروبي داخل سردية الحداثة، بوصفه تجربة موازية تمتلك شروطها التاريخية والجمالية الخاصة، لا بوصفه امتداداً تابعاً.


مسارات حداثية بمرجعيات مختلفة عن المركزية الأوروبية

وما كان حضوراً عددياً لافتاً، نحو ثمانين فناناً، تحوّل تدريجياً إلى حضور نوعي داخل مؤسسات فنية هولندية مرموقة، مثل متحف "ستيديليك" في أمستردام، ومتحف "كيه إم 21" في لاهاي، وأكاديمية "يان فان إيك" في ماستريخت، ومتحف "رايسفايك"، ومتحف "دين بوش"، فضلاً عن صالات فنية ومؤسسات حكومية متنوعة، فلم يقتصر هذا الحضور على العرض، وامتد إلى الاقتناء والإقامات الفنية والبرامج البحثية، ما يدلّ على اندماج تدريجي في البنية الثقافية الهولندية.

واللافت في هذا التحول مشاركة جيل جديد من الفنانين، استطاع أن يجد موقعاً له داخل هذه المؤسسات، وإن لم يكن بكثافة الجيل الأول من الفنانين العرب في هولندا، فإنه يعكس استمرارية التجربة وتحوّلها من ظاهرة لجوء إلى حضور فني أكثر استقراراً وتراكماً.



إنجازات فردية تبحث عن مظلّة مؤسسية

ورغم ذلك، حققت الأسماء التشكيلية الفردية العربية حضوراً موازياً لا يمكن تجاهله، إذ أُدرجت في موسوعات الفن الهولندي، ممّا يعدّ اعترافاً ضمنياً بمكانتها في السردية الفنية للبلاد، كما تبنّت غاليريات خاصة أعمال بعضهم، وروّجتها في معارض فردية وجماعية، فكانت بذلك الصلة التي تغيب على المستوى المؤسسي العربي. وعلى سبيل المثال، شهد متحف "كوبرا" في أمستلفين حلول الفن المغربي ضيف شرف في عام 2022، وهو حدث كبير يعترف بحداثة المغرب الفنية ويعيد تموضعها ضمن الخريطة الأوروبية، فضلاً عن حضور ضئيل في أهم تظاهرة فنية أوروبية في "راي كنست أمستردام". هذه الأمثلة، رغم قلّتها، تؤكد أن غياب البنية العربية الداعمة لم يمنع بعض الأصوات الفردية من اختراق جدار المؤسسة الفنية الهولندية، وإن ظل ذلك في حاجة إلى تضافُر جهود أوسع ليتحول إلى ظاهرة شاملة ومنتظمة.

يبقى أن ما تحقق من حضور نوعي للفن العربي في هولندا لا يزال في إطار محاولات فردية، رغم أهميتها، ولم يتبلور بعد في صورة ظاهرة مؤسسية وازنة، فغياب غاليريات عربية الإدارة، وعدم الانتظام في التسويق الثقافي الحديث، وصعوبة اختراق سوق الفن الهولندي القائم على تقاليد راسخة، كلها عوامل تَحُوْل دون أن تصبح هذه الإنجازات قوة مؤثرة. لذلك، يتحدّد موقع الفنان العربي في هولندا داخل شروط إنتاج لا تتوقف عند الموهبة، حيث تتداخل الغاليريات والعلاقات العامة والتسويق الثقافي والوساطة الفنية في تشكيل مسار حضوره، وفي غياب هذا الإطار، يبقى ما يتحقق من إنجازات محكوماً بطابعه الفردي، مهما بلغ من التميّز.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology